العادة سبب العلم به وبأحواله، أو الكلام من باب التمثيل؛ ولا مجال لحمله على القرب المكاني لتنزهه سبحانه عن ذلك" [1] ،ومنه قوله تعالى: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ} [الواقعة/85] ."
8 -النهي عن التلبس بالفعل:
ومنه قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى} [النساء/43] ، قال الطاهر بن عاشور في تأويل معنى القرب في الآية:" (ولا تقربوا الصلاة) والقرب هنا مستعمل في معناه المجازي وهو التلبّس بالفعل؛ لأنَّ (قَرُب) حقيقة في الدنوّ من المكان أو الذات" [2] .
وقد جاءت بهذا المعنى آيات منها قوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا} [البقرة/187] ، وقوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء/132] ، وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ} [الأنعام/151] .
وبعد هذا التتبع والتقصي لمادة"قرب"في المعاجم العربية، وفي الآيات القرآنية وأقوال المفسرين فيها، يتضح لنا الآتي:
أ- القرب حقيقته: دنو المكان وتجاوره، ثم استعمل للزمان؛ وذلك لتداخل الزمان والمكان؛ ولكثرة ما يعاملون الزمان معاملة المكان [3] ، ثم توسعوا في دلالات هذه المفردة؛ فاستعملوها لغير الزمان والمكان توسعًا وتجوزًا وتطورًا دلاليًا لهذه المفردة.
ب- أنَّ مادة (ق رب) في اللغة بشكل عام، والقرآن الكريم بشكل خاص تشمل المعاني الآتية:
(قرب المكان، وقرب الزمان، وقرب النسب، والطاعة، والحظوة والتشريف، والرعاية والاهتمام، والعلم والقدرة، والتلبس بالفعل) .
ج - أنَّ القرب في العربية قسمان:
1 -قرب حقيقي: ومنه قرب الزمان، والمكان.
2 -قرب معنوي: ومنه قرب النسب، وقرب المنزلة والمكانة، وقرب الرعاية والاهتمام،
ويؤدي السياق مهمة كبيرة في تحديد معنى القرب، وفهم دلالته.
المصطلحات المرادفة للقرب
استعمل اللغويون والنحويون كثيرًا من المصطلحات التي تقرب في فحواها من معنى القرب، وقد أشاروا إليها في أبواب مختلفة في كتبهم تصريحًا وتلميحًا، فرأيت أن أعرضها بإيجاز لتكون لنا خير معين في سبيل الوصول إلى مفهوم القرب لغويًا.
(1) روح المعاني: 14/ 268.
(2) التحرير والتنوير:4/ 133.
(3) ينظر: روح المعاني 2/ 96، والتحرير والتنوير 8/ 136، و27/ 156،و28/ 409.