فقد وردت (السين) للدلالة على المستقبل القريب، نحو قوله تعالى: {قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ} [يوسف/61] ، وقوله تعالى: {سَأُنَبِّئُكَ بِتَاوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} [الكهف/78] ،وقوله تعالى: {سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ} [النمل/ 7] ، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} [الأعراف/182] ، قال الرازي:"وأما قوله: سنستدرجهم، فالاستدراج: الاستفعال، من الدرجة بمعنى: الاستصعاد، أو الاستنزال درجة بعد درجة، ومنه درج الصبي: إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب طواه شيئا بعد شيء ... إذا عرفت هذا فالمعنى: سنقربهم إلى ما يهلكهم ونضاعف عقابهم من حيث لا يعلمون" [1] .
أما (سوف) فإنها تأتي مع الفعل المضارع للدلالة على المستقبل البعيد، نحو قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا} [النساء/56] ، وقوله تعالى: {وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة/14] ،وقوله تعالى: {وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا} [مريم/66] ،وقوله تعالى: {لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ} [الأنعام/67] .
فالآيات الآنفة تضمنت وعيدًا لأصناف من الناس بما سوف يلاقونه يوم القيامة، فكان الأنسب معها (سوف) ، ومما يدل على إفادة (سوف) للبعد قوله تعالى: {وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} [الأعراف/143] وهذا في طلب موسى -عليه السلام - من ربه أن يُرِيَه ذاتَه، فجاء بـ (سوف) للدلالة على بعد هذا الأمر، وأنَّ وقوعه بعيد المنال مستحيل الحصول [2] .
ومما يؤكد التفاوت الزمني بين (السين) ، و (سوف) قوله تعالى على لسان يعقوب -عليه السلام- لأبنائه: {قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ} [يوسف/ 98] ، وقوله على لسان إبراهيم -عليه السلام- لأبيه: {سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي} [مريم/47] ، فجاء بوعد يعقوب بـ (سوف) ، ووعد إبراهيم بـ (السين) ؛ لأنَّ وعد يعقوب أطول من وعد إبراهيم، وذلك لما فعلوه به وبأخيهم يوسف، فهو وعدهم بالاستغفار حين طلبوا منه ذلك، بخلاف استغفار إبراهيم فإنَّه دعا أباه إلى الإسلام، فلم يستجب، وفي نهاية الحديث قال له: {قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم/47] فجاء بالسين الدالة على القرب، يدل على ذلك بدؤه بقوله (سلام عليك) فالفرق واضح [3] .
حروف النفي
1 - (لم) و (لما) .
هذان الحرفان يختصان بنفي المضارع وقلب زمنه إلى الماضي، وقد جعلناهما قسمًا واحدا لاشتراكهما في نفي الماضي، واختصاصهما بالجزم دون غيرهما من حروف النفي، مثال الأول قوله
(1) التفسير الكبير:8/ 77.
(2) ينظر: نفسه 4/ 27.
(3) ينظر: معاني النحو4/ 26.