تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ} [الأنفال/17] ،ومثال الثاني قوله تعالى: {وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات/14] .
قال سيبويه:"إذا قال: فَعَلَ فإنَّ نفيه لم يفعل، وإذا قال: قد فعل فإنّ نفيه لمَّا يفعل" [1] .
وقال ابن فارس:" (لَمْ) تنفي الفعلَ المستقبل وتنقلُ معناهُ إلى الماضي، نحو: لم يقم زيد، تريد: ما قام زيد ... و (لَمّا) لا تدخل إلاّ على مستقبل، تقول: جئت، ولما يجيء زيدٌ بعدُ، فيكون بمعنى (لمْ) ، كقوله جلّ ثناؤه: {بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ} [ص/8] " [2] .
ولكنهما يفترقان من أوجه عدة منها:
1 -إنَّ المنفي بـ (لم) قد يكون منقطعا، وقد يكون مستمرًا، في حين أنَّ المنفي بـ (لما) مستمر النفي إلى حين التكلم؛ فقولنا:"لما يحضر محمد"معناه أنه إلى الآن لم يحضر، في حين إذا قلنا:"لم يحضر محمد"فإنَّه يحتمل أنَّ محمدا لم يحضر إلى الآن، ويحتمل أنَّه لم يحضر في وقت من أوقات المضي [3] .
وقيل: إنَّ (لما) كانت في الأصل (لم) ضمت إليها (ما) فازدادت في معناها أن تضمنت معنى التوقع والانتظار والاستمرار [4] .
2 -إنَّ منفي (لما) لا يكون إلا قريبًا من الحال، ولا يشترط ذلك في منفي (لم) ، فقد يكون منفيها قريبا أو بعيدا، تقول: لم يكن زيد في العام الماضي مقيما، ولا يجوز (لما يكن) [5] .
قال الدكتور فاضل السامرائي:"وذلك أنَّ (لم) لنفي (فعل) وهذا الفعل يحتمل القرب والبعد، فمن البعيد قوله تعالى: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ} [العنكبوت/44] ، وقوله: {ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ] [الأعراف/11] ، ومن القريب قولنا:"حضر الآن محمد"، وقوله تعالى: إِنِّي تُبْتُ الآنَ} [النساء/28] في حين أنَّ (لما) لنفي (قد فعل) و (قد) تفيد القرب" [6] .
3 -إنَّ المنفي بـ (لما) فيه معنى التوقع، وليس كذلك المنفي بـ (لم) ، فقولنا:"لما يحضر خالد"، معناه أنَّه لم يحضر وهو متوقع حضوره، وليس في قولنا:"لم يحضر خالد"معنى التوقع [7] .
قال ابن عاشور عند قوله تعالى: {وَلَمَّا يَاتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة/214] " (لمَّا) أخت (لم) في الدلالة على نفي الفعل، ولكنها مركبة من (لَم) و (مَا) النافية فأفادت توكيد النفي؛ لأنَّها"
(1) الكتاب: 3/ 177.
(2) الصاحبي في فقه اللغة: 168 - 169.
(3) ينظر: شرح الكافية للرضي 4/ 85، ومغني اللبيب 1/ 307،والإتقان1/ 214.
(4) ينظر: المفصل 307، وشرح الكافية للرضي 4/ 85.
(5) ينظر: مغني اللبيب 1/ 308، وهمع الهوامع 4/ 314.
(6) معاني النحو:4/ 10.
(7) ينظر: وشرح الكافية للرضي4/ 82، ومغني اللبيب 1/ 308.