ركبت من حرفي نفي، ومن هذا كان النفي بها مشعرًا بأنَّ السامع كان يترقب حصول الفعل المنفي بها فيكون النفي بها نفيًا لحصول قريب، وهو يشعر بأن حصول المنفي بها يكون بعد مدة، وهذا استعمال دل عليه الاستقراء واحتجوا له بقول النابغة [1] :
أَزِفَ الترحُّلُ غَيرَ أنَّ رَكَابَنَا ... لَمَّا تَزَلْ بِرَحالِنا وكأنْ قَدٍ
فنفى بـ (لما) ثم قال: (وكأنْ قَدِ) ، أي: وكأن قد زالت" [2] ."
3 - (لا) و (لن)
ويختص هذان الحرفان بنفي المستقبل، إلا أنَّ (لا) تستعمل لنفي المستقبل البعيد، و (لن) لنفي المستقبل القريب، وقد جعلناهما قسمًا واحدا؛ لأنًّهما -حسب تعبير الزمخشري - (أختان في نفي المستقبل) [3] .
قال السهيلي:"ومن خواصها - أي"لن"- أنَّها تنفي ما قرب، ولا يمتد معنى النفي فيها كامتداد معنى النفي في حرف (لا) ، إذا قلت:"لا يقوم زيد أبدا"، أما (لا) فهي (لام) بعدها (ألف) يمتد بها الصوت ما لم يقطعه تضييق النفس، فإذًا امتداد لفظها معناها، و (لن) بعكسه ذلك فتأمله فإنه معنى لطيف، وغرض شريف" [4] .
ومما يُستدل به في هذا المقام قوله تعالى: {وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} [الجمعة/7] ، وقوله تعالى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا} [البقرة/95] . فجاء بالأولى بحرف (لا) في الموضع الذي اقترن فيه حرف الشرط بالفعل فصار من صيغ العموم, فانسحب على جميع الأزمنة, وهو قوله عز وجل: {إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} [الجمعة/6] ، وكأنه يقول: متى ما زعموا ذلك لوقت من الأوقات، أو زمن من الأزمان وقيل لهم:"تمنوا الموت",فلا يتمنونه, وحرف الشرط دلَّ على هذا المعنى ,وحرف (لا) في الجواب بإزاء صيغة العموم ,لاتساع معنى النفي فيها.
(1) التحرير والتنوير2/ 298.
(2) في ديوانه 89، وشرح المفصل8/ 148، ومغني اللبيب1/ 194، والمقاصد النحوية1/ 46، والبيت بلا نسبة في المقتضب1/ 42، وسر صناعة الإعراب1/ 19، وشرح المفصل10/ 110، وشرح قطر الندى 175، وشرح الكافية للرضي 4/ 85، وهمع الهوامع4/ 407.
(3) الكشاف:1/ 131.
(4) نتائج الفِكَر:130 - 131.