وفي الآية الثانية جاء بـ (لن) فقصَّر من سعة النفي وقرَّب؛ لأنَّ قبله في النظم: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ} [البقرة/94] , وليست"إنْ"ههنا مع"كان"من صيغ العموم؛ لأنَّ"كان"ليست بدالة على الحدث، وإنَّما هي داخلة على المبتدأ والخبر عبارة عن مضي في الزمان الذي كان فيه ذلك الحدث، فكأنَّه يقول عز وجل: إن كانت قد وجبت لكم الدار الآخرة وثبتت لكم في علم الله -تعالى- فتمنوا الموت الآن, ثم قال في الجواب: (ولن يتمنوه) , فانتظم معنى الجواب بمعنى الخطاب في الآيتين جميعا [1] .
4 - (ما)
يستعمل هذا الحرف لنفي الحال كثيرًا، وقد تكون لغير الحال أيضًا، فقد تدل على الاستمرار، نحو قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ} [آل عمران/7] ،وقوله: {وَمَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعَالَمِينَ} [آل عمران/108] ، وهي تنفي الفعل الماضي، نحو:"ما ذهبت إليه"،وقد ذُكر أنَّها عند ذاك تكون لنفي الماضي القريب من الحال [2] .
قال السامرائي:"والحقيقة أنَّ الكثير فيها أن تكون كذلك - أي لنفي الماضي القريب-، وقد تأتي لنفي الماضي البعيد، نحو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ} [الأنبياء/16] ، وقوله تعالى: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا} [آل عمران/191] " [3] .
ويقول عباس حسن:"وإذا وجدت قبله - أي الماضي -"ما"النافية كان معناه منفيًا، وكان زمنه قريبًا من الحال؛ كأنْ يقول قائل: قد سافر علىّ، فتجيب: ما سافر علىّ؛ فكلمة:"قد"أفادته في الجملة الأولى المثبتة قربا من الزمن الحالي، وجاءت كلمة:"ما"النافية فنفت المعنى، وأفادته القرب من الزمن الحالي أيضًا" [4] .
حرف التقريب (قد)
سبق أن أشرنا في المبحث الثاني من هذا الفصل -عند الحديث عن الفعل الماضي والزمن -أنَّ الصيغة (فَعَلَ) قد تدل على قرب الزمن وذلك إذا سبقت بـ (قد) ، وفي هذا المبحث نفصل القول في دلالات هذا الحرف؛ إذ يشير النحويون إلى أنَّ هذا الحرف مختصٌ بالدخول على الفعل، وسبب
(1) ينظر: نتائج الفِكَر131 - 132، والبرهان4/ 413، والإتقان1/ 507.
(2) ينظر: المفصل 306.
(3) معاني النحو:4/ 192.
(4) النحو الوافي: 1/ 53.