الصفحة 88 من 336

صلى الله عليهما وسلم- ولا تقول مثل ذلك في الفاء؛ لأنَّه لما تراخى لفظها بكثرة حروفها تراخى معناها؛ لأنَّ قوة اللفظ مؤذنة بقوة المعنى [1] .

ومن اللمسات القرآنية في استعمال هذين الحرفين قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف/74] ،قال الزمخشري:"فإن قلتَ: لِمَ قيل: {حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا} [الكهف/71] بغير فاء، و {حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلامًا فَقَتَلَهُ} [الكهف/74] ، قلتُ: جعل خرقها جزاء للشرط، وجعل قتله من جملة الشرط معطوفًا عليه، والجزاء:"قَالَ أَقَتَلْتَ"، فإن قلتَ: فلم خولف بينهما؟ قلتُ: لأنَّ خرق السفينة لم يتعقب الركوب، وقد تعقّب القتل لقاء الغلام" [2] .

وفي قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين/5] ، جاء بـ (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي؛ لأنَّ كون الإنسان أسفل سافلين لا يعاقب خلقه، بل يتراخى عنه في الزمن، فهي من حيث الوقت تفيد التراخي، كما أنها من حيث الرتبة تفيد التراخي، فرتبة كونه في أحسن تقويم تتراخى وتبعد عن رتبة كونه في أسفل سافلين، فأفادت (ثم) ههنا التراخي الزمني والتراخي في الرتبة [3] .

ومن الشواهد القرآنية الدالة على التفاوت الزمني بين هذين الحرفين قوله تعالى: {فَأَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف/85] وفي آية أخرى: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا} [الكهف/89] ،فالكلام في الآية الأولى عن ذي القرنين، لم يكن قبلها شيء، وإنَّما حصل هذا الشيء بعد التمكين لذي القرنين مباشرة، أما في الحالة الثانية فقد حصلت بعد الحالة الأولى بمدة، حيث ساق ذو القرنين حملة إلى مغرب الشمس، وحملة أخرى إلى مطلع الشمس، وحملة أخرى إلى بين السدين وهذه الحملات كلها تأتي الواحدة بعد الأخرى بمدة وزمن، ولهذا جاء استعمال (ثم) التي تفيد الترتيب والتراخي في الزمن [4] .

وفي قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقنَا النُّطْفَة َ عَلَقَة ً فَخَلَقنَا العَلَقَة َ مُضغَة ً فَخَلَقنَا المُضغَة َ عِظَامًا فَكَسَونَا العِظَامَ لَحمًا} [المؤمنون/14] ، قال بعضهم: جاء بـ (ثم) قبل العلقة نظرًا إلى تمام صيرورتها، ثم أردف

(1) ينظر: شرح المفصل8/ 96.

(2) الكشاف:2/ 687.

(3) ينظر: لمسات بيانية 212.

(4) ينظر: لمسات بيانية 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت