وأما مرجع الغائب فقد يكون معلومًا غير مذكور، كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [القدر/1] ، فمرجع الضمير على القرآن وهو معلوم، وقد يكون مذكورًا وهو الغالب، فإن ذُكِرَ المرجُع فإمّا أن يكون مُقدَّما على الضمير، أو مؤخرًا عنه، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: (الأصل أن يعود الضمير على اسم متقدمٍ)
بمعنى أنَّ الشيء المفسَّر لابد أن يكون متقدِّمًا على الضمير؛ ليبين معناه أولا، ويكشف المقصود منه، ثم يجيء بعده الضمير مطابقًا له [1] - فيما يحتاج للمطابقة-، نحو قوله تعالى: {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} [طه/121] ، وقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} [الشعراء/224] ، وقوله تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ} [هود/42] ،ولهذا التقدم حالتان:
أ) - التقدم اللفظي والرتبي:
المقصود بالتقدم اللفظي: أن يكون المرجع مذكورًا نصًا قبل الضمير، ونقصد بالتقدم في الرتبة: أن يكون ترتيب المرجع في تكوين الجملة متقدِّمًا على الضمير وسابقا عليه بحسب الأصول والقواعد العربية [2] .
قال السيوطي:"وأما ضمير الغائب فَعَارٍ عن المشاهدة، فاحتيج إلى ما يفسِّره، وأصل المفسِّر الذي عُوْدَ عليه أن يكون مقدَّما ليعلم المعنىُّ بالضمير عند ذكره بعد مفسِّره، وأنْ يكون الأقرب نحو: لقيت زيدًا وعمرًا يضحك، فضمير يضحك عائد على عمرو، ولا يعود على زيد إلا بدليل" [3] .
ب) - التقدم المعنوي:
المقصود بالتقدم المعنوي: ألا يكون المفسِّر مصرحا بتقديمه، بل هناك شيء آخر غير ذلك الضمير يقتضي كون المفسِّر قبل موضع الضمير [4] ، ومن مواضع التقدم المعنوي:
(1) ينظر: البرهان 4/ 30، والإتقان 1/ 506.
(2) ينظر: النحو الوافي 1/ 156.
(3) همع الهوامع: 1/ 226.
(4) ينظر: شرح الكافية للرضي 3/ 9.