الصفحة 96 من 336

وعلى هذا الأصل اتفقت آراء النحويين إلا أنهم لم يجعلوا هذه القاعدة مطلقة بل قيدوها بضوابط أهمها ألا توجد في سياق الكلام قرينة تصرفه إلى الأبعد.

وعلى هذا فإنَّ قول الرضي:"إذا تقدم ما يصلُح للتفسير شيئان فصاعدًا فالمفسِّر هو الأقرب لا غير" [1] . صوابه في قول ابن مالك:"إذا ذُكِرَ ضميرُ واحد بعد اثنين فصاعدًا جُعِلَ للأقرب، ولا يجعل لغيره إلا بدليل من خارج" [2] .

وقول السيوطي:"وللجمهور أن يقولوا: وكذا عوده للأقرب ليس بمطرد؛ فقد يخرج عن الأصل لدليل، وإذا تعارض الأصلان تساقطا، ونُظِرَ في الترجيح من خارج، بل قد يقال: عوده إلى ما فيه العمل بهما أولى" [3] .

ويمكننا حمل كلام الرضي على المفسِّر المفتقر لقرينة تحدد كونه للأقرب أو للأبعد، فالمفسِّر في مثل هذه الحالة هو الأقرب لا غير ومنه قوله تعالى: {وَآَتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} [البقرة/177] ، فالضمير في (حبه) عائد على (المال) ؛ لأنه أقرب مذكور، وهو قول أكثر المفسِّرين [4] ، ولا توجد قرينة تصرفه إلى غير هذا الأقرب.

ونظير هذا قوله تعالى: [وَآَتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا] {الإسراء/2} ، فالضمير في (وجعلناه) يعود على (الكتاب) ،كونه الأقرب، ولا يمكن حمله على موسى لانتفاء المقتضي لذلك [5] .

أما إذا توافرت القرائن فإنها كفيلة بتحديد المرجع قريبا كان أم بعيدًا، وأبرز محددات مرجع الضمير ما يأتي:

1 -السياق

لا شك في أنَّ السياق يؤدي مهمة كبيرة في تحديد مرجع الضمير، فهو- أي السياق - من الأساليب التي يكثر دورانها في التفسير؛ لأنَّه من الوسائل المعينة على فهم دلالة النص, وحسبنا هنا بعض الأمثلة التي يتضح فيها أثر السياق في ترجيح عود الضمير على الأقرب.

ففي بعض الآيات ترد ضمائر متعددة في سياق واحد, وتحتمل في مرجعها أقوالًا متعددة, فتوحيد مرجعها وإعادتها إلى شيء واحد أولى وأحسن؛ لانسجام النظم واتساق السياق , من ذلك عود الضمائر في قوله تعالى: {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ} [يوسف/42] .

للمفسِّرين في عود الضمير في قوله (فأنساه) ، وقوله (ربه) قولان [6] : فقد ذهب بعضهم كالطبري [7] ،والنحاس [8] ،إلى أنَّ الضميرين يعودان على يوسف -عليه السلام - ويكون المعنى: أنسى الشيطان يوسف ذكر الله تعالى, فلبث في السجن بضع سنين عقابًا له على سؤاله غير الله.

وذهب آخرون - كالزمخشري [9] ،وابن عطية [10] - إلى أنَّ الضميرين يعودان إلى ساقي الملك, ويكون المعنى: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر قصة يوسف للملك, ولهذا لبث يوسف في السجن بضع سنين.

وإذا تأملنا سياق الآيات وجدناه يشهد للمعنى الثاني؛ فإنَّ الاتفاق قائم على أنَّ مرجع الضمير في قوله: (عِندَ رَبِّكَ) يرجع للساقي, فكان المناسب للسياق أن يكون ما بعده {فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ} عائدًا على الساقي؛ حتى لا تتفرق الضمائر.

وجاء في سياق القصة قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف/ 45] ، وهذا شاهد قوي على أنَّ الناسي إنَّما هو الساقي, وبهذا التوجيه ينتظم السياق؛ فتصبح (اذكرني) الأولى و (ذكر ربه) الثانية مسندة إلى الساقي, ويكون (عند ربك) و (ربه) أيضًا مرادًا بهما الملك رب الساقي. إنَّ هذا التوجيه أنسب أن يعود إلى الساقي, وأليق بحال يوسف - عليه السلام- وأقرب إلى شخصية الساقي.

وفي قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا} [مريم/24] . فقد تباينت وجهات نظر المفسِّرين في تعيين منادِي مريم [11] , فقالت

(1) شرح الكافية للرضي: 3/ 8، وينظر: الإتقان 1/ 508.

(2) شرح التسهيل: 1/ 257.

(3) البرهان:4/ 46.

(4) ينظر: جامع البيان2/ 100، والكشاف1/ 219، والمحرر الوجيز1/ 147، والتفسير الكبير2/ 215، والبحر المحيط 2/ 6.

(5) ينظر: التفسير الكبير7/ 297، والبحر المحيط 6/ 7، والدر المصون7/ 309، والجامع لأحكام القرآن5/ 212، وروح المعاني8/ 14.

(6) ينظر: زاد المسير4/ 174، والتفسير الكبير 9/ 47، والجامع لأحكام القرآن9/ 166، والبرهان 4/ 44.

(7) ينظر: جامع البيان 12/ 166.

(8) ينظر: معاني القرآن للنحاس 3/ 429.

(9) ينظر: الكشاف 2/ 445.

(10) ينظر: المحرر الوجيز 7/ 517.

(11) ينظر: جامع البيان16/ 81،والمحرر الوجيز9/ 450، وزاد المسير5/ 156، والتفسير الكبير11/ 205، والبحر المحيط 6/ 281، وأضواء البيان 3/ 394.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت