طائفة من المفسِّرين: المنادِي هو جبريل - عليه السلام -؛ لأنَّه أخبرها بما من شأنه أن يكون توجيهًا من الله تعالى، وممن قال بهذا ابن عباس [1] ،ورجحه القرطبي [2] ، والشوكاني [3] .
وقالت طائفة، منهم-الطبري [4] ، والرازي [5] : إنَّ المنادِي هو عيسى-عليه السلام-, ودليلهم سياق الضمائر, وعودة الضمير في (فنادها) إلى أقرب مذكور، وهو عيسى - عليه السلام-.
ومما يؤيد هذا القول- أيضا - أنَّ الضمائر السابقة في سياق واحد, وكلها تعود إلى عيسى, (ولنجعله) (ورحمة منا) , (فحملته) , (فانتبذت به) , (فنادها) , فهذه خمسة ضمائر كلها عائدة إلى عيسى -عليه السلام -اتفاقًا, إلا ضمير (فنادها) فإلحاقه بها أنسب للسياق، وتوحيد لمرجع الضمائر.
ويشهد لهذا التوجيه - أيضًا - ما جاء في الآية التي بعدها: {فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} [مريم/ 29] ، أي ليتكلم, فلو لم يكن قد سبق له الكلام لما أشارت إليه, وواضح أنها أشارت إليه ليكلموه؛ لأنَّهم قالوا لها في السياق نفسه: {قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا} [مريم/29] , وعندها تكلم: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} [مريم/30] .
وفي قوله تعالى: [وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ] {البقرة/45} ، عاد الضمير على الصلاة [6] ؛لأنَّها أقرب، ولأنَّ الكلام عليها، فقد تقدم الطلب بإقامتها في الآية قبلها، وهي قوله تعالى: [وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ] {البقرة/43} .
2 -أن يكون الأقرب محدَّثا عنه:
نحو قوله تعالى: [قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ] {الأنعام:145} فالضمير في (فإنه) تقدم عليه ثلاثة أسماء
(1) ينظر: زاد المسير5/ 156، والمحرر الوجيز9/ 450، والتفسير الكبير 11/ 205.
(2) ينظر: الجامع لأحكام القرآن 11/ 89.
(3) ينظر: فتح القدير 3/ 332.
(4) ينظر: جامع البيان 16/ 81.
(5) ينظر: التفسير الكبير 11/ 205.
(6) ينظر: تفسير القرآن العظيم 1/ 103، والبرهان 4/ 36، والإتقان 1/ 508،وفتح القدير 1/ 143.