، وهو صالح لأنْ يعود إلى كل واحد منها، والأرجح عند الجمهور أنه عائد على (الخنزير) ؛ لتضافر القرائن الدالة عليه، إذ هو الأقرب للضمير، ولأنَّه المحدَّث عنه [1] .
والقائلون بهذا القول اختلفوا مرة أخرى: هل يعود الضمير إلى اللحم فقط، أم إلى الخنزير فقط؟ والظاهر عوده إلى الخنزير فقط [2] ؛ للقرينتين السابقتين، ثم إنَّ عود الضمير إليه يشمل اللحم أيضا من حيث التحريم.
ومنه قوله تعالى: [فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ المُسْرِفِينَ] [يونس/83] فالضمير المستتر في (يفتنهم) يعود على فرعون دون الملأ مع أنَّ الذرية تخافهما معًا؛ لأنَّه المحدَّث عنه؛ ولأنه كان مدار أمر التعذيب، كما دلَّ عليه إفراد الضمير [3] .
ومنه قوله تعالى: {وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص/30] اختلف في عود الضمير في (إنَّه) [4] فقيل: يعود إلى سليمان، وقيل: إلى داود، والظاهر عوده إلى سليمان [5] ، ويرجحه أمران، الأول: أنَّه أقرب المذكورَين، والآخر: أنَّه المحدَّث عنه بدليل ما بعده وهو قوله: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ} [ص/31] ،والذي عُرِضَ عليه الخيل هو سليمان، كما أنَّ الله وصفه في الآية بأنَّه (أَوَّابٌ) ،ولا يجوز أن يكون المراد هو داود؛ لأنَّ وصفه بهذا المعنى قد تقدَّم في آية سابقة هي قوله تعالى: {واذكر عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا الأيد إِنَّهُ أَوَّابٌ} [ص/17] .
وقد يكون المحدَّث عنه هو الأبعد، فيعود الضمير إليه لا إلى الأقرب، ومنه قوله تعالى: [فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ* وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالكِتَابَ] {العنكبوت:26 - 27} الضمير المستتر في قوله (وقال إني) يعود على (إبراهيم) على الأرجح [6] ، ولا يعود على (لوط) ؛ لأنَّه المحدَّث عنه،
(1) ينظر: البرهان4/ 36، والتحرير والتنوير8/ 139.
(2) ينظر: الدر المصون 5/ 200، والجامع لأحكام القرآن15/ 170.
(3) ينظر: جامع البيان12/ 193،وزاد المسير4/ 41، وروح المعاني11/ 169.
(4) ينظر: التفسير الكبير 13/ 204، والتبيان2/ 356،وروح المعاني 13/ 279.
(5) ينظر: المحرر الوجيز 12/ 454، والتفسير الكبير13/ 204، والبحر المحيط 9/ 153، والجامع لأحكام القرآن15/ 170، وإرشاد العقل السليم7/ 225، وفتح القدير 4/ 415.
(6) ينظر: الكشاف3/ 451، وزاد المسير6/ 135، والبحر المحيط7/ 144.