الصفحة 62 من 189

تَاخُذَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا مَا يَكْفِيهَا وَوَلَدَهَا بِالْمَعْرُوفِ , مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ , إذَا مَنَعَهَا النَّفَقَةَ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهَا , وَيَجُوزُ لِلضَّيْفِ أَنْ يَاخُذَ مَا يَاكُلُهُ بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ إذَا مَنَعَ قِرَاهُ , وَيَجُوزُ لِمَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ دَيْنٌ فَجَحَدَهُ إيَّاهُ. وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ عَلَيْهِ , أَنْ يَاخُذَ مِنْ مَالِهِ مَا يَقَعُ وَفَاءً لِحَقِّهِ , بِغَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مِنْهُ , بِشُرُوطٍ وَخِلَافٍ يَسِيرٍ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ.

9 -أَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي:

وَهُوَ التَّعْذِيبُ غَيْرُ الْمَشْرُوعِ لِلْإِنْسَانِ , فَمِنْهُ تَعْذِيبُ الْأَسْرَى , فَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ عَدَمَ جَوَازِ تَعْذِيبِهِمْ , لِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَدْعُو إلَى الرِّفْقِ بِالْأَسْرَى , وَإِطْعَامِهِمْ , قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} وَفِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ {لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ الشَّمْسِ , وَحَرَّ السِّلَاحِ , قِيلُوهُمْ حَتَّى يَبْرُدُوا} وَهَذَا الْكَلَامُ فِي أَسَارَى بَنِي قُرَيْظَةَ , حِينَمَا كَانُوا فِي الشَّمْسِ. وَإِذَا كَانَ هُنَاكَ خَوْفُ الْفِرَارِ , فَيَصِحُّ حَبْسُ الْأَسِيرِ مِنْ غَيْرِ تَعْذِيبٍ , وَإِذَا رُجِيَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَسْرَارِ الْعَدُوِّ جَازَ تَهْدِيدُهُ وَتَعْذِيبُهُ بِالْقَدْرِ الْكَافِي , لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ , وَدَلِيلُ ذَلِكَ: مَا رُوِيَ عَنْ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم {: أَنَّهُ أَمَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ بِتَعْذِيبِ مَنْ كَتَمَ خَبَرَ الْمَالِ , الَّذِي كَانَ صلى الله عليه وسلم قَدْ عَاهَدَهُمْ عَلَيْهِ , وَقَالَ لَهُ: أَيْنَ كَنْزُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ؟ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ , أَنْفَذَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ , فَقَالَ: الْمَالُ كَثِيرٌ وَالْمَسْأَلَةُ أَقْرَبُ , وَقَالَ لِلزُّبَيْرِ: دُونَك هَذَا. فَمَسَّهُ الزُّبَيْرُ بِشَيْءٍ مِنْ الْعَذَابِ , فَدَلَّهُمْ عَلَى الْمَالِ} . لَكِنْ إذَا كَانُوا يُعَذِّبُونَ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ مُعَامَلَتُهُمْ بِالْمِثْلِ , لقوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} وَقَوْلُهُ أَيْضًا {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} قَالَ الْبَاجِيُّ: لَا يُمَثَّلُ بِالْأَسِيرِ , إلَّا أَنْ يَكُونُوا مَثَّلُوا بِالْمُسْلِمِينَ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: قَتْلُ الْأَسِيرِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ , لَا يُمَثَّلُ بِهِ , وَلَا يُعْبَثُ عَلَيْهِ. قِيلَ لِمَالِكٍ: أَيُضْرَبُ وَسَطُهُ؟ فَقَالَ: قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ {فَضَرْبَ الرِّقَابِ} لَا خَيْرَ فِي الْعَبَثِ.

وأما كلامه عن الأسير فغير دقيق قال تعالى:

{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (67) سورة الأنفال

وفي الموسوعة الفقهية:

مَنْ يَجُوزُ أَسْرُهُمْ وَمَنْ لَا يَجُوزُ:

8 -يَجُوزُ أَسْرُ كُلِّ مَنْ وَقَعَ فِي يَدِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْحَرْبِيِّينَ , صَبِيًّا كَانَ أَوْ شَابًّا أَوْ شَيْخًا أَوْ امْرَأَةً , الْأَصِحَّاءِ مِنْهُمْ وَالْمَرْضَى , إلَّا مَنْ لَا يُخْشَى مِنْ تَرْكِهِ ضَرَرٌ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ , فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ. فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ , وَهُوَ مُقَابِلُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لَا يُؤْسَرُ مَنْ لَا ضَرَرَ مِنْهُمْ , وَلَا فَائِدَةَ فِي أَسْرِهِمْ , كَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى وَالرَّاهِبِ إذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا رَايَ لَهُمْ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَقْتُلُ يَجُوزُ أَسْرُهُ , إلَّا الرَّاهِبَ وَالرَّاهِبَةَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا رَايٌ فَإِنَّهُمَا لَا يُؤْسَرَانِ , وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الْمَعْتُوهِ وَالشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ وَالْأَعْمَى فَإِنَّهُمْ وَإِنْ حَرُمَ قَتْلُهُمْ يَجُزْ أَسْرُهُمْ , وَيَجُوزُ تَرْكُهُمْ مِنْ غَيْرِ قَتْلٍ وَمِنْ غَيْرِ أَسْرٍ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَظْهَرِ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَسْرُ الْجَمِيعِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت