9 -وَلَا يَجُوزُ أَسْرُ أَحَدٍ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إذَا كَانَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَهَا عَهْدُ مُوَادَعَةٍ , لِأَنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ أَفَادَ الْأَمَانَ , وَبِالْأَمَانِ لَا تَصِيرُ الدَّارُ مُسْتَبَاحَةً , وَحَتَّى لَوْ خَرَجَ قَوْمٌ مِنْ الْمُوَادِعِينَ إلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مُوَادَعَةٌ , فَغَزَا الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْبَلْدَةَ , فَهَؤُلَاءِ آمِنُونَ , لَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ أَفَادَ الْأَمَانَ لَهُمْ , فَلَا يُنْتَقَضُ بِالْخُرُوجِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ. وَكَذَا لَوْ دَخَلَ فِي دَارِ الْمُوَادَعَةِ رَجُلٌ مِنْ غَيْرِ دَارِهِمْ بِأَمَانٍ , ثُمَّ خَرَجَ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ أَمَانٍ , فَهُوَ آمِنٌ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُ , لِأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ دَارَ الْمُوَادَعِينَ بِأَمَانِهِمْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَمِثْلُهُ مَا لَوْ وُجِدَ الْحَرْبِيُّ بِدَارِ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَسْرُهُ , وَمَا لَوْ أَخَذَ الْحَرْبِيُّ الْأَمَانَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهُوَ فِي حِصْنِ الْحَرْبِيِّينَ.
حُكْمُ قَتْلِ الْآسِرِ أَسِيرَهُ:
12 -لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْغُزَاةِ أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ بِنَفْسِهِ , إذْ الْأَمْرُ فِيهِ بَعْدَ الْأَسْرِ مُفَوَّضٌ لِلْإِمَامِ , فَلَا يَحِلُّ الْقَتْلُ إلَّا بِرَايِ الْإِمَامِ اتِّفَاقًا , إلَّا إذَا خِيفَ ضَرَرُهُ , فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ إلَى الْإِمَامِ , وَلَيْسَ لِغَيْرِ مَنْ أَسَرَهُ قَتْلُهُ , لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ فَيَقْتُلَهُ} . فَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَسِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَالْحَنَفِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا , فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قِيمَةٍ , لِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ , إذْ لِلْإِمَامِ فِيهِ خِيَرَةُ الْقَتْلِ , وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ , وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ , أَوْ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيُرَاعَى فِيهِ حُكْمُ الْقَتْلِ , لِأَنَّ دَمَهُ صَارَ مَعْصُومًا , فَكَانَ مَضْمُونًا بِالْقَتْلِ , إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ هُوَ الْآسِرُ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْإِطْلَاقُ. وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَّجِهُونَ وُجْهَةَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الضَّمَانِ , غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّفْرِقَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ , أَوْ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا , وَيَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ , فَإِنْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ , وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ. وَالشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا يُلْزِمُونَ الْقَاتِلَ بِالضَّمَانِ , فَإِذَا كَانَ بَعْدَ اخْتِيَارِ رِقِّهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ , وَكَانَ فِي الْغَنِيمَةِ. وَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْمَنِّ عَلَيْهِ لَزِمَهُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ الْفِدَاءِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ غُنَيْمَةً , إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ الْإِمَامُ الْفِدَاءَ , وَإِلَّا فَدِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ قَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ عُزِّرَ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إنْ قَتَلَ أَسِيرَهُ أَوْ أَسِيرَ غَيْرِهِ قَبْلَ الذَّهَابِ لِلْإِمَامِ أَسَاءَ , وَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ.
مُعَامَلَةُ الْأَسِيرِ قَبْلَ نَقْلِهِ لِدَارِ الْإِسْلَامِ:
13 -مَبَادِئُ الْإِسْلَامِ تَدْعُو إلَى الرِّفْقِ بِالْأَسْرَى , وَتَوْفِيرِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْكِسَاءِ لَهُمْ , وَاحْتِرَامِ آدَمِيَّتِهِمْ , لقوله تعالى {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكَيْنَا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} , وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِأَصْحَابِهِ فِي أَسْرَى بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَمَا احْتَرَقَ النَّهَارُ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ: {أَحْسِنُوا أُسَارَاهُمْ. وَقَيِّلُوهُمْ , وَاسْقُوهُمْ} وَقَالَ: {لَا تَجْمَعُوا عَلَيْهِمْ حَرَّ هَذَا الْيَوْمِ وَحَرَّ السِّلَاحِ. . .} وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: إنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَ الْأُسَارَى فَيَنْبَغِي لَهُ أَلَّا يُعَذِّبَهُمْ بِالْعَطَشِ وَالْجُوعِ , وَلَكِنَّهُ يَقْتُلُهُمْ قَتْلًا كَرِيمًا. وَيَجُوزُ