الصفحة 64 من 189

حَبْسُ الْأَسْرَى فِي أَيِّ مَكَان , لِيُؤْمَنَ مَنْعُهُمْ مِنْ الْفِرَارِ , فَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ {الرَّسُولَ حَبَسَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ}

التَّصَرُّفُ فِي الْأَسْرَى قَبْلَ نَقْلِهِمْ لِدَارِ الْإِسْلَامِ:

14 -يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ التَّصَرُّفِ فِي الْغَنَائِمِ - وَمِنْهَا الْأَسْرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ - وَقَبْلَ نَقْلِهِمْ لِدَارِ الْإِسْلَامِ. قَالَ مَالِكٌ: الشَّانُ أَنْ تُقْسَمَ الْغَنَائِمُ وَتُبَاعَ بِبَلَدِ الْحَرْبِ , وَرَوَى الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَالْخُلَفَاءَ لَمْ يَقْسِمُوا غُنَيْمَةً قَطُّ إلَّا فِي دَارِ الشِّرْكِ , قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رضي الله عنه: {خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِ الْمُصْطَلِقِ , فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ , فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ , وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ , فَأَرَدْنَا الْعَزْلَ وَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ , فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا , مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلَّا وَهِيَ كَائِنَةٌ} فَإِنَّ سُؤَالَهُمْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْعَزْلِ فِي وَطْءِ السَّبَايَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ قِسْمَةَ الْغَنَائِمِ قَدْ تَمَّتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ , وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْجِيلِ مَسَرَّةِ الْغَانِمِينَ وَغَيْظِ الْكَافِرِينَ , وَيُكْرَهُ تَاخِيرُهُ لِبَلَدِ الْإِسْلَامِ , وَهَذَا إذَا كَانَ الْغَانِمُونَ جَيْشًا وَأَمِنُوا مِنْ كَرِّ الْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ لِلْغَانِمَيْنِ التَّمَلُّكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَفْظًا , بِأَنْ يَقُولَ كُلٌّ بَعْدَ الْحِيَازَةِ , وَقَبْلَ الْقِسْمَةِ: اخْتَرْت مِلْكَ نَصِيبِي , فَتَمَلَّكَ بِذَلِكَ. وَقِيلَ: يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ , لِزَوَالِ مِلْكِ الْكُفَّارِ بِالِاسْتِيلَاءِ. وَقِيلَ: الْمِلْكُ مَوْقُوفٌ. وَالْمُرَادُ عِنْدَ مَنْ قَالَ يَمْلِكُونَ بِمُجَرَّدِ الْحِيَازَةِ: الِاخْتِصَاصُ , أَيْ يَخْتَصِمُونَ. وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِجَوَازِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ فِي دَارِ الْحَرْبِ , وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَأَبِي ثَوْرٍ لِفِعْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وَلِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ فِيهَا بِالْقَهْرِ وَالِاسْتِيلَاءِ. 15 - وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَا تُقْسَمُ الْغَنَائِمُ إلَّا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَتِمُّ عَلَيْهَا إلَّا بِالِاسْتِيلَاءِ التَّامِّ , وَلَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِحْرَازِهَا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , لِأَنَّ سَبَبَ ثُبُوتِ الْحَقِّ الْقَهْرُ , وَهُوَ مَوْجُودٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ , لِأَنَّهُمْ قَاهِرُونَ يَدًا مَقْهُورُونَ دَارًا , فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ - وَمِنْهَا الْأَسْرَى - أَوْ يَبِيعَهَا حَتَّى يُخْرِجَهَا إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ , خَشْيَةَ تَقْلِيلِ الرَّغْبَةِ فِي لُحُوقِ الْمَدَدِ بِالْجَيْشِ , وَتَعَرُّضِ الْمُسْلِمِينَ لِوُقُوعِ الدَّبَرَةِ عَلَيْهِمْ , بِأَنْ يَتَفَرَّقُوا وَيَسْتَقِلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِحَمْلِ نَصِيبِهِ. وَمَعَ هَذَا فَقَالُوا: وَإِنْ قَسَمَ الْإِمَامُ الْغَنَائِمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ , لِأَنَّهُ أَمْضَى فَصْلًا مُخْتَلَفًا فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ {الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم أَخَّرَ قِسْمَةَ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ حَتَّى انْصَرَفَ إلَى الْجِعْرَانَةِ} .

حُكْمُ الْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى:

17 -يَرْجِعُ الْأَمْرُ فِي أَسْرَى الْحَرْبِيِّينَ إلَى الْإِمَامِ , أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ عَنْهُ. وَجَعَلَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مَصَائِرَ الْأَسْرَى بَعْدَ ذَلِكَ , وَقَبْلَ إجْرَاءِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ , فِي أَحَدِ أُمُورٍ: فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ مِنْ أَسْرَى الْكُفَّارِ , بَيْنَ قَتْلِهِمْ , أَوْ اسْتِرْقَاقِهِمْ , أَوْ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ , أَوْ مُفَادَاتِهِمْ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَصَرُوا التَّخْيِيرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ فَقَطْ: الْقَتْلِ , وَالِاسْتِرْقَاقِ , وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِهِمْ أَهْلَ ذِمَّةٍ عَلَى الْجِزْيَةِ , وَلَمْ يُجِيزُوا الْمَنَّ عَلَيْهِمْ دُونَ قَيْدٍ , وَلَا الْفِدَاءَ بِالْمَالِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ , أَوْ إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِحَاجَةٍ لِلْمَالِ. وَأَمَّا مُفَادَاتُهُمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فَمَوْضِعُ خِلَافٍ عِنْدَهُمْ. وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ يُخَيَّرُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: فَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَ , وَإِمَّا أَنْ يَسْتَرِقَّ ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت