الصفحة 65 من 189

وَإِمَّا أَنْ يُعْتِقَ , وَإِمَّا أَنْ يَاخُذَ فِيهِ الْفِدَاءَ , وَإِمَّا أَنْ يَعْقِدَ عَلَيْهِ الذِّمَّةَ وَيَضْرِبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ , وَالْإِمَامُ مُقَيَّدٌ فِي اخْتِيَارِهِ بِمَا يُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الْجَمَاعَةِ.

18 -وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي السَّبَايَا مِنْ النِّسَاءِ وَالصَّبِيَّةِ أَنَّهُمْ لَا يُقْتَلُونَ. فَفِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ لِلدَّرْدِيرِ: وَأَمَّا النِّسَاءُ وَالذَّرَارِيُّ فَلَيْسَ فِيهِمْ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوْ الْفِدَاءُ. وَتَفْصِيلُهُ فِي (سَبْيٌ) . كَمَا يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَسِيرَ الْحَرْبِيَّ الَّذِي أَعْلَنَ إسْلَامَهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ , لَا يَحِقُّ لِلْإِمَامِ قَتْلُهُ , لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عَاصِمٌ لِدَمِهِ عَلَى مَا سَيَاتِي.

19 -وَيَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ: إنْ خَفِيَ عَلَى الْإِمَامِ أَوْ أَمِيرِ الْجَيْشِ الْأَحُظُّ حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ , لِأَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى الِاجْتِهَادِ , وَيُصَرِّحُ ابْنُ رُشْدٍ بِأَنَّ هَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ , إذَا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ تَامِينٌ لَهُمْ.

20 -وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْأَسِيرِ , وَحَكَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ. وَالسَّبَبُ فِي الِاخْتِلَافِ تَعَارُضُ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى , وَتَعَارُضُ الْأَفْعَالِ , وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لِفِعْلِهِ عليه الصلاة والسلام , لِأَنَّ ظَاهِرَ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {فَإِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ} أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ بَعْدَ الْأَسْرِ إلَّا الْمَنُّ أَوْ الْفِدَاءُ. وقوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} وَالسَّبَبُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ أَفْضَلُ مِنْ الِاسْتِبْقَاءِ. وَأَمَّا فِعْلُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: فَقَدْ قَتَلَ الْأَسَارَى فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ , فَمِنْ رَأَى أَنَّ الْآيَةَ الْخَاصَّةَ بِالْأَسَارَى نَاسِخَةٌ لِفِعْلِهِ قَالَ: لَا يَقْتُلُ الْأَسِيرُ , وَمِنْ رَأَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِقَتْلِ الْأَسِيرِ وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا حَصْرُ مَا يُفْعَلُ بِالْأَسَارَى قَالَ بِجَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ.

الْفِدَاءُ بِالْمَالِ:

23 -الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الْمَالِكِيَّةِ , وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ , وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ , وَالْحَنَابِلَةِ فِي غَيْرِ رِوَايَةٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: جَوَازُ فِدَاءِ أَسْرَى الْحَرْبِيِّينَ الَّذِينَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْإِمَامِ فِيهِمْ بِالْمَالِ. غَيْرَ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ يُجِيزُونَهُ بِمَالٍ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الْأَسِيرِ , وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - كَمَا نَقَلَ السَّرَخْسِيُّ عَنْ السِّيَرِ الْكَبِيرِ - تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِحَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمَالِ , وَقَيْد الْكَاسَانِيُّ هَذَا بِمَا إذَا كَانَ الْأَسِيرُ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يُرْجَى لَهُ وَلَدٌ. وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالْمَالِ دُونَ قَيْدٍ , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ ثَمَّةَ حَاجَةٌ لِلْمَالِ , وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْدِيَ الْأَسْرَى بِالْمَالِ يَاخُذُهُ مِنْهُمْ , سَوَاءٌ , أَكَانَ مِنْ مَالِهِمْ أَمْ مِنْ مَالِنَا الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ , وَأَنْ نَفْدِيَهُمْ بِأَسْلِحَتِنَا الَّتِي فِي أَيْدِيهِمْ. أَمَّا أَسْلِحَتُهُمْ الَّتِي بِأَيْدِينَا فَفِي جَوَازِ مُفَادَاةِ أَسَرَانَا بِهَا وَجْهَانِ , أَوْجَهُهُمَا عِنْدَهُمْ الْجَوَازُ. وَاسْتَدَلَّ الْمُجِيزُونَ بِظَاهِرِ قوله تعالى {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} , وَبِفِعْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم , فَقَدْ فَادَى أَسَارَى بَدْرٍ بِالْمَالِ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا , كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ , وَأَدْنَى دَرَجَاتِ فِعْلِهِ الْجَوَازُ وَالْإِبَاحَةُ.

24 -وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ , فِي غَيْرِ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ , وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدِ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ عَدَمُ جَوَازِ الْفِدَاءِ بِمَالٍ. وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ أَنَّ قَتْلَ الْأَسَارَى مَامُورٌ بِهِ , لقوله تعالى {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} وَأَنَّهُ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا بَعْدَ الْأَخْذِ وَالِاسْتِرْقَاقِ , وقوله تعالى {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} وَالْأَمْرُ بِالْقَتْلِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْإِسْلَامِ , فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ إلَّا لِمَا شُرِعَ لَهُ الْقَتْلُ , وَهُوَ أَنْ يَكُونَ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ , وَلَا يَحْصُلُ مَعْنَى التَّوَسُّلِ بِالْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ , كَمَا أَنَّ فِي ذَلِكَ إعَانَةً

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت