الصفحة 66 من 189

لِأَهْلِ الْحَرْبِ , لِأَنَّهُمْ يَرْجِعُونَ إلَى الْمَنَعَةِ , فَيَصِيرُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا , وَقَتْلُ الْمُشْرِكِ عِنْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَرْضٌ مُحْكَمٌ , وَفِي الْمُفَادَاةِ تَرْكُ إقَامَةِ هَذَا الْفَرْضِ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَسِيرِ: لَا تُفَادُوهُ وَإِنْ أُعْطِيتُمْ بِهِ مُدَّيْنِ مِنْ ذَهَبٍ"وَلِأَنَّهُ صَارَ بِالْأَسْرِ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا , فَلَا يَجُوزُ إعَادَتُهُ لِدَارِ الْحَرْبِ , لِيَكُونَ حَرْبًا عَلَيْنَا , وَفِي هَذَا مَعْصِيَةٌ , وَارْتِكَابُ الْمَعْصِيَةِ لِمَنْفَعَةِ الْمَالِ لَا يَجُوزُ , وَلَوْ أَعْطَوْنَا مَالًا لِتَرْكِ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَفْعَلَ ذَلِكَ مَعَ الْحَاجَةِ , فَكَذَا لَا يَجُوزُ تَرْكُ قَتْلِ الْمُشْرِكِ بِالْمُفَادَاةِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ لِلْإِمَامِ حَقَّ الْمُفَادَاةِ بِالْمَالِ , فَإِنَّ هَذَا الْمَالَ يَكُونُ لِلْغَانِمِينَ , وَلَيْسَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُسْقِطَ شَيْئًا مِنْ الْمَالِ الَّذِي يَفْرِضُهُ عَلَيْهِمْ مُقَابِلَ الْفِدَاءِ إلَّا بِرِضَى الْغَانِمِينَ."

فِدَاءُ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ بِأَسْرَى الْأَعْدَاءِ:

25 -ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ , وَالشَّافِعِيَّةِ , وَالْحَنَابِلَةِ , وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ , وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إلَى جَوَازِ تَبَادُلِ الْأَسْرَى , مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ {أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ} وَقَوْلِهِ {إنَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي فَيْئِهِمْ أَنْ يُفَادُوا أَسِيرَهُمْ , وَيُؤَدُّوا عَنْ غَارِمِهِمْ} {وَ فَادَى النَّبِيُّ رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِالرَّجُلِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ بَنِي عَقِيلٍ} . {وَ فَادَى بِالْمَرْأَةِ الَّتِي , اسْتَوْهَبَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدْ أُسِرُوا بِمَكَّةَ} وَلِأَنَّ فِي الْمُفَادَاةِ تَخْلِيصُ الْمُسْلِمِ مِنْ عَذَابِ الْكُفَّارِ وَالْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ , وَإِنْقَاذُ الْمُسْلِمِ أَوْلَى مِنْ إهْلَاكِ الْكَافِرِ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا إذَا كَانَتْ الْمُفَادَاةُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا. أَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ قَصَرَ جَوَازَ الْمُفَادَاةِ عَلَى مَا قَبْلَ الْقِسْمَةِ , لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ لَمْ يَتَقَرَّرْ كَوْنُ أَسِيرِهِمْ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا حَتَّى جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ , وَأَمَّا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَقَدْ تَقَرَّرَ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا حَتَّى لَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ. أَيْ فَلَا يُعَادُ بِالْمُفَادَاةِ إلَى دَارِ الْكُفْرِ. وَلِأَنَّ فِي الْمُفَادَاةِ بَعْدَهَا إبْطَالُ مِلْكِ الْمَقْسُومِ لَهُ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ. وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مِثْلِ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا , وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَجَازَهُ فِي الْحَالَتَيْنِ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ جُوِّزَ ذَلِكَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ الْحَاجَةُ إلَى تَخْلِيصِ الْمُسْلِمِ مِنْ عَذَابِهِمْ , وَهَذَا مَوْجُودٌ بَعْدَ الْقِسْمَةِ , وَحَقُّ الْغَانِمِينَ فِي الِاسْتِرْقَاقِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْقِسْمَةِ , وَقَدْ صَارَ الْأَسِيرُ بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا , ثُمَّ تَجُوزُ الْمُفَادَاةُ بِهِ لِهَذِهِ الْحَاجَةِ , فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ. وَقَدْ نَقَلَ الْحَطَّابُ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ لَيْسَ فِيهِمْ إلَّا الِاسْتِرْقَاقُ , أَوْ الْمُفَادَاةُ بِالنُّفُوسِ دُونَ الْمَالِ. وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَهِيَ مَنْعُ مُفَادَاةِ الْأَسِيرِ بِالْأَسِيرِ , وَوَجْهُهُ: أَنَّ قَتْلَ الْمُشْرِكِينَ فَرْضٌ مُحْكَمٌ , فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهُ بِالْمُفَادَاةِ.

26 -وَلَوْ أَسْلَمَ الْأَسِيرُ لَا يُفَادَى بِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ , أَيْ لِأَنَّهُ فِدَاءُ مُسْلِمٍ بِمُسْلِمٍ , إلَّا إذَا طَابَتْ بِهِ نَفْسُهُ وَهُوَ مَامُونٌ عَلَى إسْلَامِهِ:

27 -وَيَجُوزُ مُفَادَاةُ الْأَكْثَرِ بِالْأَقَلِّ وَالْعَكْسُ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ , وَلَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ , لَكِنْ فِي كُتُبِهِمْ مَا يُوَافِقُ ذَلِكَ , لِاسْتِدْلَالِهِمْ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطَى لَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْ أَسَرَانَا , وَيُؤْخَذُ بَدَلَهُ أَسِيرَانِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ.

ومن هذه النقول يتبين لنا الخطأ الفاحش الذي وقع فيه الدكتور وغيره في هذه المسألة وسنفرد أحكام الأسرى ببحث خاص إن شاء الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت