فَهُوَ لَهُ , فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ فَأَعْتَقَ الرَّجُلُ أَسِيرَهُ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ عِتْقُهُ. وَلَوْ أَصَابَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ عَتَقَ , لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لَهُمْ بِالْإِصَابَةِ صَارَ الْأَسِيرُ مَمْلُوكًا لِآسِرِهِ وَاحِدًا أَوْ جَمَاعَةً. بَلْ قَالُوا: لَوْ قَالَ الْأَمِيرُ: مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ. فَأَسَرَ الْعَسْكَرُ بَعْضَ الْأَسْرَى , ثُمَّ قَتَلَ أَحَدُ الْأُسَرَاءُ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ , كَانَ السَّلَبُ مِنْ الْغَنِيمَةِ , إنْ لَمْ يُقَسِّمْ الْأَمِيرُ الْأُسَرَاءَ , وَإِنْ كَانَ قَسَمَهُمْ أَوْ بَاعَهُمْ فَالسَّلَبُ لِمَوْلَى الْأَسِيرِ الْقَاتِلِ. وَقَدْ فَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَنْ أَسَرَ أَسِيرًا أَثْنَاءَ الْقِتَالِ مُسْتَنِدًا إلَى قُوَّةِ الْجَيْشِ , وَبَيْنَ مَنْ أَسَرَ أَسِيرًا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ , وَقَالُوا: إنْ كَانَ الْآسِرُ مِنْ الْجَيْشِ , أَوْ مُسْتَنِدًا لَهُ خُمُسٌ كَسَائِرِ الْغَنِيمَةِ , وَإِلَّا اخْتَصَّ بِهِ الْآسِرُ.
حُكْمُ قَتْلِ الْآسِرِ أَسِيرَهُ:
12 -لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْ الْغُزَاةِ أَنْ يَقْتُلَ أَسِيرَهُ بِنَفْسِهِ , إذْ الْأَمْرُ فِيهِ بَعْدَ الْأَسْرِ مُفَوَّضٌ لِلْإِمَامِ , فَلَا يَحِلُّ الْقَتْلُ إلَّا بِرَايِ الْإِمَامِ اتِّفَاقًا , إلَّا إذَا خِيفَ ضَرَرُهُ , فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ قَتْلُهُ قَبْلَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ إلَى الْإِمَامِ , وَلَيْسَ لِغَيْرِ مَنْ أَسَرَهُ قَتْلُهُ , لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {لَا يَتَعَاطَى أَحَدُكُمْ أَسِيرَ صَاحِبِهِ فَيَقْتُلَهُ} . فَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَسِيرًا فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ , فَالْحَنَفِيَّةُ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ بَعْدَهَا , فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ مِنْ دِيَةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قِيمَةٍ , لِأَنَّ دَمَهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ , إذْ لِلْإِمَامِ فِيهِ خِيَرَةُ الْقَتْلِ , وَمَعَ هَذَا فَهُوَ مَكْرُوهٌ , وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ , أَوْ بَعْدَ الْبَيْعِ فَيُرَاعَى فِيهِ حُكْمُ الْقَتْلِ , لِأَنَّ دَمَهُ صَارَ مَعْصُومًا , فَكَانَ مَضْمُونًا بِالْقَتْلِ , إلَّا أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ لِقِيَامِ الشُّبْهَةِ. وَلَمْ يُفَرِّقُوا فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ هُوَ الْآسِرُ أَوْ غَيْرُهُ كَمَا يُفِيدُهُ الْإِطْلَاقُ. وَالْمَالِكِيَّةُ يَتَّجِهُونَ وُجْهَةَ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ نَاحِيَةِ الضَّمَانِ , غَيْرَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّفْرِقَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْقَتْلُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ , أَوْ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا , وَيَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ مَنْ قَتَلَ مَنْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ , فَإِنْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ أَنْ يَصِيرَ فِي الْمَغْنَمِ فَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ , وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ مَغْنَمًا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ. وَالشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا يُلْزِمُونَ الْقَاتِلَ بِالضَّمَانِ , فَإِذَا كَانَ بَعْدَ اخْتِيَارِ رِقِّهِ ضَمِنَ قِيمَتَهُ , وَكَانَ فِي الْغَنِيمَةِ. وَإِذَا كَانَ بَعْدَ الْمَنِّ عَلَيْهِ لَزِمَهُ دِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ الْفِدَاءِ فَعَلَيْهِ دِيَتُهُ غُنَيْمَةً , إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ الْإِمَامُ الْفِدَاءَ , وَإِلَّا فَدِيَتُهُ لِوَرَثَتِهِ. وَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ اخْتِيَارِ الْإِمَامِ قَتَلَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ عُزِّرَ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إنْ قَتَلَ أَسِيرَهُ أَوْ أَسِيرَ غَيْرِهِ قَبْلَ الذَّهَابِ لِلْإِمَامِ أَسَاءَ , وَلَمْ يَلْزَمْهُ ضَمَانُهُ.
حُكْمُ الْإِمَامِ فِي الْأَسْرَى:
17 -يَرْجِعُ الْأَمْرُ فِي أَسْرَى الْحَرْبِيِّينَ إلَى الْإِمَامِ , أَوْ مَنْ يُنِيبُهُ عَنْهُ. وَجَعَلَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مَصَائِرَ الْأَسْرَى بَعْدَ ذَلِكَ , وَقَبْلَ إجْرَاءِ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ بَيْنَ الْغَانِمِينَ , فِي أَحَدِ أُمُورٍ: فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَخْيِيرِ الْإِمَامِ فِي الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ مِنْ أَسْرَى الْكُفَّارِ , بَيْنَ قَتْلِهِمْ , أَوْ اسْتِرْقَاقِهِمْ , أَوْ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ , أَوْ مُفَادَاتِهِمْ بِمَالٍ أَوْ نَفْسٍ. أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدْ قَصَرُوا التَّخْيِيرَ عَلَى ثَلَاثَةِ أُمُورٍ فَقَطْ: الْقَتْلِ , وَالِاسْتِرْقَاقِ , وَالْمَنِّ عَلَيْهِمْ بِجَعْلِهِمْ أَهْلَ ذِمَّةٍ عَلَى الْجِزْيَةِ , وَلَمْ يُجِيزُوا الْمَنَّ عَلَيْهِمْ دُونَ قَيْدٍ , وَلَا الْفِدَاءَ بِالْمَالِ إلَّا عِنْدَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بِالنِّسْبَةِ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ , أَوْ إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِحَاجَةٍ لِلْمَالِ. وَأَمَّا مُفَادَاتُهُمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فَمَوْضِعُ خِلَافٍ عِنْدَهُمْ. وَذَهَبَ مَالِكٌ