وعلى الرغم من أن جمال الأزهار وفتنتها لا غبار عليها نرى الشعراء بصورة عامة وشعراء العصر العباسي على وجه الخصوص يعمدون في مواضيع كثيرة على جعل الأزهار هي المشبه محاولين إيجاد قرائن لهذه الفتنة الأخاذة فهذا ... علي بن الجهم يشبه الورد بالياقوت بقوله:
أما ترى شجرات الورد مظهرة ... لنا بدائع قد ركبن من قضب
كأنهن يواقيت يطيف بها ... زبرجد وسطها شدر من الذهب (1)
ويشارك الشاعر كشاجم رفاقه من الشعراء في جعل الأزهار هي المشبه ... في وصف مجلس الطبيعة وما يجعل فيه من أزهار بقوله:
نرجس كالعيون يرقب من يهـ ... واه من غير رقبة حذار
وإذا ما بدا الشقائق فيها ... كاليواقيت نظمت في المذاري
وكأن المنثور حلة وشي ... مثلها ماصوت تخوت التجار
في طراز الربيع حيكت ولكن ... نمقت وشيها يد الأمطار
اقحوان وسوسن حسن النو ... ر وشيح منمنم مع بهار
فأغتنم غفلة الزمان وبادر ... وافترض لذة الليالي القصار (2)
عمد الشاعر إلى وصف مجلس الطبيعة الموش بأنواع الأزهار التي وشاها بلمساته الفنية مضفيًا عليها التشبيهات الرقيقة التي يبهج بها العيون ويؤنس بها القلوب، مشبهًا النرجس بالعيون التي ترقب من تهواه من غير خوف أو حذر، ووجه الشبه الوضوح وعدم التخفي، وشبه شقائق النعمان بشعلة النار أو الرماح القصيرة التي نشرت لأمير في جيش كبير، ووجه الشبه اللون الأحمر الوهاج، وجعل الحرم كالياقوت الذي وضع في الخشبه التي تذري بها الحنطة وأطرافها كالأصابع، ووجه
(1) ديوان علي بن الجهم: 111.
(2) ديوان كشاجم: 233. المطارد جمع وهو الرمح القصير، الجحفل: الجيش الكثير المذاري: جمع مذارة وهي خشبة ذات أطراف كالأصابع تذري بها الحنطة، نمقة: حسنة وزينة، أفترض: أنتهز.