فهرس الكتاب
ومن روائع الاستعارة قول الوأواء الدمشقي:
وأمطرت لؤلؤًا من نرجس وسقت وردًا وعضت على العناب بالبرد (1)
فالشاعر يملئ بيته بالاستعارات، إذا استعار اللؤلؤ للدمع، والنرجس للعين، والورد للخدود، والعناب للأصابع، والبرد للإنسان، ويعلق عبد القاهر قائلًا (( إذا نظرت ... إلى قوله فرأيته قد أفادك أن الدمع كان لا يحرم من شبه اللؤلؤ، والعين من شبه النرجس شيئًا، فلا تحسبن، وذاك الحسن الذي تراه والأريحية التي تجدها عنده أنه أفادك ذلك فحسب، وذاك، إنك تستطيع أن تجئ به صريحًا فتقول: فأسلبت دمعًا كأنه اللؤلؤ بعينه من عين كأنها النرجس حقيقة، ثم لا ترى من ذلك الحسن شيئًا. ولكن أعلم أن سبب من راقك وأدخل الأريحية عليك أنه أفادك في إثبات شدة الشبه مزية وأوجدك فيه خاصة قد عزز في طبع الإنسان أن يرتاح لها ويجد في نفسه هزة عندها ) ) (2) وان بعضهم عده من التشبيهات (3) وها هو أبن المعتز يجاري الوأواء الدمشقي مالئًا بيته بالاستعارات التي يقدمها بأجمل صورة بقوله:
النور يضحك عن بكاء سحاب ... والأرض قد كسيت صنوف ثياب
خلع الرهام على الربى ديباجة ... نسجت بغير أنامل إلا تراب
وكأنما أجفانها مسكوبة ... مقل بكت لتغرق الأحباب (4)
يجعل الشاعر المطر بكاء للسحاب مقابلًا بينه وبي من ضحك النور أي تفتحه فجاء باستعارتين مكنيتين ثم اتبعها بثالثة بأن جعل الأرض مكسية ثيابًا متنوعة مشيرًا إلى ما أنتشر فيها من أصناف النبت والورود ... ثم عززها باستعارة مكنية رابعة
(1) ديوان الوأواء الدمشقي: 83.
(2) دلائل الإعجاز في علم المعاني: ت الإمام عبد القاهر الجرجاني صحح أصله العلامة الشيخ محمد محمود الشنقيطي-الناشر مكتبة القاهرة (1381هـ - 1961م) -292.
(3) ينظر أثر النحاة في البحث البلاغي: د. عبد القادر حسين-دار النهضة مصر للطبع - الفجالة - ... القاهرة - بلا ت -252.
(4) شعر أبن المعتز: 2/ 508، وينظر ديوان السري الرفاء 2/ 697.