فضلًا عن تكراره للألفاظ التي أشاعت أنسابًا موسيقيًا على أبياته ونلاحظ التصريع على مدى المقطوعة دليلًا على قدرة الشاعر واهتمامه بالموسيقي الداخلية وألف مقطوعته على بحر الكامل الذي وصفه د. أحمد أحمد بدوي بأنه هو المقدم في السهولة والرقة. (1)
ويقول البحتري مادحًا:
أدمع قد غرين بالهملان، ... وفؤاد قد لج في الخفقان
بافتراق ألم بعد اجتماع ... وثناء أقام بعد تدان
ابكيا هذه المغارني التي أخـ ... ــلقها بعد أهلها المرزمان
جاد فيها بنفسه فأستجدت ... حللًا منه جمة الألوان
فهي تهتز بين إفرنده الأخـ ... ـــــضر حسنًا ووشيه الأرجواني
في سماء من خضرة الروض، فيها ... أنجم من شقائق النعمان
واصفرار من كونه وابيضاض ... كاجتماع اللجين والقصبان
وتريك الأحباب ليوم تلاق ... باعتناق الحوذان والأقحوان
صاغ منها الربيع شكلًا لأخلا ق ... (( حسين ) )ذي الجود والإحسان (2)
فالشاعر يندب الفراق الذي حل بينه وبين ممدوحه، ثم عمد إلى وصف حدائقه الفناء بوشيها الأرجواني والأخضر، والأصفر، وألوانها الجميلة من أبيض واصفر ... ثم بين أن كل هذه الألوان البراقة والخضرة الزاهية كأخلاق ممدوحه. فالشاعر أودع في هذه القطعة كل ما يمكن من حلية الصوت وزينته، فالألفاظ تعبر عن معانيها إذ عرف كيف يختارها وكيف يلائم بينها حتى جعلنا نحس بالنشوة والارتياح من شدة اقتضائها لقوافيها، فالبحتري كما وصفه د. شوقي ضيف بمقدرته الفنية وحسه الموسيقي استطاع أن يستخرج من القيثارة القديمة للشعر كل ما يمكن من مهارة فنية للصوت والموسيقى (3) فهو شاعر متميز في فن
(1) ينظر أسس النقد العرب: د. أحمد أحمد بدوي-ط1 - مكتبة النهضة مصر-بالفجالة-1958 - 320.
(2) ديوان البحتري: 4/ 2197 - 2199. المفاني: جمع المفنى وهو المنزل، المرزان: نجمان مع الشعريين-أفرندها الأخضر: حسنها ووشيها، الأفرند: جوهر السيف، وقد استعارة لخضرة الأرض، ... العقيان: الذهب الخالص، اللجين: الفضة.
(3) ينظر الفن ومذاهبه في الشعر العربي: 86.