التمهيد:-
الشاعر والطبيعة:-
الطبيعة هي منبع الجمال الكوني الذي يحرك النفوس ويثير المشاعر ويبعث على التأمل في نظام تكوين الأشياء وتناسقها وتكرارها وألوانها ودلالاتها.
والطبيعة هنا: (( هي كل شيء أصيل يتمتع بوجود حقيقي متميز من كل ما يستدعيه الإنسان أو يعدل فيه ) ) (1) ولهذا ظلت الطبيعة الأنموذج أو المثال الذي يتحتم على فنون البشر أن تحاكيه محاكاة صادقة، مضيفة إليه ما يقدمه خيال الفنان أو خبرته من محسنات أو زخرفة أو رموز تكشف عن معنى الأصل بطريقة أشد جاذبية من مجرد محاكاة المظهر الخارجي للموضوع المنتخب من الطبيعة بنوعيها الجامد أو المتحرك الحي. والجمال هو القوة الكامنة في صفات أشياء الكون التي تبعث الحياة فيه بحسب نظام وقواعد خاصة، يدركها الأنسان في الكون أو يصنعها لنفسه في الخلق الفني (2) وتحدد درجة استجابة الناس لصفات الأشياء وجمالها بحسب مراتب الإدراك والذوق لديهم، أما المبدعون فلهم خبرتهم واستجابتهم الخاصة لمظاهر الجمال في المحيط أو الواقع الذي يصورون فيه أفكارهم، ... وفي الشعر وهو التعبير غير المباشر عن الأشياء فإنه يجعل من الطبيعة موضوع وصف وباعثًا على التأمل. لأن الفنان (الشاعر) أعلى درجة من الشخص العادي في الرؤيا البصرية والفكرية فهو يدرك العلاقات الخفية بين الأشياء ويعبر عما رأى وأحس؟ فهو إذن يقوم بعمليتين يؤثر ويتأثر لذلك تأتي أوصافه من طبيعة البيئة يتأثر بها ويؤثر فيها (3) إذ من المعروف (( أن الإنسان أبن البيئة ) ) (4) ولما كانت رؤية الطبيعة عند الشاعر مقومًا من مقومات عمليته الإبداعية، فقد وصف الشاعر الجاهلي منذ القدم الطبيعة واحبها ولم تكن غريبة عنه لكنها لم تتميز حينذاك بكونها فنًا قائمًا بذاته، ومع هذا فقد بدأ على وصفهم للطبيعة الشغف بظواهرها، فكانت الصحراء ملهمة الجاهلي (( لأن البيئة الطبيعية هي الملهم الأول
(1) معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب: مجدي وهبه وكامل المهندس-ط2 - مكتبة لبنان-1984 - 235.
(2) ينظر م. ن: 135.
(3) ينظر أسرار الفن التشكيلي: د. محمود البسيوني-ط1 - الناشر عالم الكتب-القاهرة-1980 - 193،195.
(4) (4) مقدمة القصيدة في الشعر الجاهلي: د. حسين عطوان-دار المعارف-مصر-1970 - 227.