الصفحة 62 من 155

فالبحتري وصف الربيع بقطعة من عيون الشعر صور فيها إحساسه لدى هذا الفصل الساحر، فالربيع بأزهاره المتفتحة أقبل يشيع البشر، يوقظ وردة هنا ووردة هناك، والندى عاشق لم يستطع كتمان ما كبت من عواطف، فجاء يبوح في أذن الورد بمكنون صدره فتفتح نفسه للبوح المحبب. يمزج الشاعر بين الظاهرة الطبيعية ومعناها الإنساني. أما الصورة الواقعية فتقتصر على أن الندى يساعد على تفتح الورد (1)

إن قدرة الشاعر على التشخيص جعلت الربيع يضحك بدلًا من أن يغني، وهو يفيض حياة وحيوية بدقة الصور وجمالها (2)

ويجاريه أبن وكيع التنيسي شاعر الزهر والخمر فقد كان مولعًا بالأزهار مشغوفًا بها يقول:

جاء إلينا زمن الربيع ... فجاء فصل حسن الجميع

فيه ضروب للنبات الغض ... يحكي لباس الجند يوم العرض

من نرجس أبيض كالثغور ... كأنه مخانق الكافور

وروضة تزهر من بنفسج ... كأنها أرض من الفيروزج

يضحك فيها زهر الشقيق ... كأنه مداهن العقيق

وارم بعينيك إلى البهار ... فإنه من أحسن الأنوار (3)

وصف لنا الشاعر جمال الأرض في فصل الربيع وذلك في سلسلة تشبيهات متابعة جسدت رؤية الشاعر الفنية لهذا الفصل الجميل وضروب النبات الطري الأخضر تحاكي لباس الجنود يوم الاستعراض والنرجس في بياضه كأنه ثغور مبسمة، ثم كأنه القلادة تلف على العنق والأرض تزهر بالبنفسج كأنها أرض من الحجر الكريم .. وقد أحصى أنواعًا من الأزهار ولكل زهرة حالها فالبنفسج يزهو والشقيق يضحك فكأنه

(1) ينظر الرائد في الأدب العربي: إنعام الجندي. دار الكتاب العربي-بيروت-بلا ط- لبنان 1979 - 1/ 399.

(2) ينظر مدار الكلمة دراسات نقدية: 14.

(3) أبن وكي التنيسي (شاعر الوهر والخمر) : 71 - 74 الفض: الأخضر الطري، العرض: ما نسميه الاستعراض، المخانق: جمع أي قلادة محيطة بالعنق، الفيروزج: حجر كريم أزرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت