مداهن العقيق، والبهار هو أحسن الأنوار ونلاحظ جمال الصور التشبيهية وروعتها إذ جمع الشاعر فيها بين الواقعية والخيال فجاءت تعبيراته جميلة ورشيقة، جمال ما يرى ورشاقة ما يصف فقد بين أنه (( ليس المهم تصوير الأشياء كما هي ولا كما يجب أن تكون بل تصويرها بطريقة تجعلها موحية وموحية بمعنى جديد وبوجود مضاف تبثه فيها الذات التي تتأمل، تعقل، تبتكر ) ) (1) ذلك لأن الفنان (( لا ينقل الأشياء بل الصورة التي في نفسه منها أنه يعيد خلقها، يغزلها بطريقته هو وعلى منواله وبفذوذية وأصالة ) ) (2) ويوافقه في الخيال السري الرفاء الذي يعد (( وصافًا بارعًا يسجل في شعره ما يراه من أشياء تؤثر فيه، ورسام فنان يصور بريشته ما يحسه وما يجول في أعماق نفسه ) ) (3)
أقبل يحدو الخصب في إقباله ... والرعد يحدو الورق من جماله
بمنطق أبدع في ارتجاله ... كأنه في ثقل انتقاله
تجله الريح على استقباله ... كأنما نسأله عن حاله
والزهر قد أصغى إلى مقاله ... وكاد أن ينهض لاستقباله
فجاد بالريق من زلاله ... حتى تعالى الترب من تهطاله
إن سجلا لي سجاله (4)
فقد ملأ السري الرفاء شعره بالاستعارات خاصة شعر الطبيعة وأضفى على أوصافه وتشبيهاته الصفات الإنسانية أذ يرسم الشاعر صورة تنهض بالحياة والحيوية تستحيل فيها مظاهر الطبيعة إلى شخوص تحرك وتتكلم، فها هو السحاب صار حاديًا، وأي شيء يحدو، أنه يحدو الخصب أمامه ولا يكتفي الشاعر بهذه الاستعارة، حتى يردفها بأخرى مثلها حين يجعل الرعد حاديًا أيضًا ... بجمال بيض هي في حقيقة الأمر رعودة بيضاء ... ولسحاب منطقة الهادئ الرزين الذي يبعث على الإعجاب
(1) علم الجمال: دني هوسيمان: ترجمة ظافر الحسن-ط2 - منشورات- عويدات-بيروت-لبنان -1975 م -11، 12.
(2) م. ن: 12.
(3) السري الرفاء حياته وشعره: د. حبيب حسين الحسني-ط1 - دار السلام-بغداد-1976 - 135.
(4) ديوان السري الرفاء: 2/ 619 يحدو: يسوق، الورق: جمع أوراق وهي الإبل التي لونها بياض إلى سواد.