حيث يصف الشاعر زهور النيلوفر وقد طغت في مكان عال وفاحت بعطرها ... الذي لا يدانيه عطر، ويصورها وقد حملتها خيزرانة ذابلة ذبول العاشق الذي أمضه الهجر وأستبد به النوى، ثم يعود ليجسد هذ الزهر وقد تبدت منه خطوط حمراء صورها خيال الشاعر وكأنها السنة تنطق بشكر الله وذكره، وهو إذ يريد ... أن يبين حمرة هذه الورود تصورها وكأنها دماء حمر تطوف على الماء. ولم يكن ... هذا حال السري الرفاء وحده، فقد تعلق كثير من الشعراء بوصف الورد والتعبير ... عن روعته التي تأخذ بالألباب، وللشاعر علي بن الجهم ت (249هـ) قطعة بديعة يتحدث فيها عن رياحين الربيع ونشوة النفوس به لا تقل عن نشوة الراح بقوله:
لم يضحك الورد إلا حين أعجبه ... حسن النبات وصوت الطائر الغرد
بدا فأبدت لنا الدنيا محاسنها ... وراحت الراح في أثوابها الجدد
ما عانيت قضب الرياحين طلعته ... إلا تبين فيها ذلة الحسد (1)
فقد وصف الشاعر الورد مسبغًا عليه الصفات الإنسانية وهي (الضحك والنظر) ، ... فهو لم يضحك إلا حين رأى جمال النبات وبهاءه وصوت الطيور المغردة وقد ملأت الأفق، فظهر وبظهوره أبدت الدنيا التي أراد بها الروضة محاسنها وكأنها لبست أثوابًا جديدة وإن قضب الريحان تنظر نظرة الحسد للورد لما أصبح عليه حال الروض بتفتحه. إن قراءة المقطوعة تشعرنا وكأننا أمام شخوص تعج بالنظارة والحياة عن طريق الاستعارة التي قربت ذلك المنظر والصورة معًا، والمتأمل للأبيات سوف ... يظهر له حب الطبيعة والاندماج بفرحتها، فالشاعر (( يرسم الطبيعة كما يراها دخل نفسه وانعكاساتها على مشاعره لا كما يراها مبسوطة أمامه فحسب أي لا يكتفي بتركيب أجزاء الصورة إنما يضفي عليها من نفسه وعواطفه وما يشعر به تجاهها ... وأنه يتفاعل معها فيأخذ منها ويعطيها ) ) (2)
(1) ديوان علي بن الجهم: تحـ خليل مردم بك - ط2 - لجنة التراث العربي-بيروت - لبنان-بلا ت-89.
(2) فن الوصف وتطوره في السعر العراقي الحديث (1800 - 1925م) -د. محمد حسن علي مجيد-دار الشؤون الثقافية العامة آفاق عربية-العراق، بغداد-1988 - 66.