فهرس الكتاب
في معركة حربية، كما يشبه الأزهار الفاقعة الصفرة التي يخالطها شيء من البياض، بالدر الأبيض الذي يشقق ويطلي بلون الزعفران الأصفر، والأزهار الساطعة الحمرة تعكس لونها على طبقة الهواء المحيطة بها فتجعلها تبدو وكأنها مطلية بلون العصفر الأحمر. ويوشي أبو تمام صوره بألوان من بديعة المعروف وفي مقدمتها نوافر أضداده ليظهر لنا صورًا في غاية الدهشة والغرابة وهي صورة النهار وقد سطعت فيه أشعة الشمس بنورها، وإذا بالشاعر يبتكر صورة من خياله، فيها كثير من الغرابة ليقابل بين الصورتين وقد خالطت ضوء الشمس، فجعلته يبدو وكأنه منبعث من القمر، فهو نهار مشمس في الظاهر، مقمر في خيال الشاعر، كذلك في تشبيهه للشجرة الزاهرة بالفتاة العذراء في وصفه لألوان الزهور يختار اللون الأصفر والأحمر، ليشكل منهما صورتين متقابلتين، مستمدًا من ثقافته التاريخية عن العرب وما يوافقهما، إذ يعلم أن الحروب بين اليمنيين والمضريين كانت سجالًا في الجاهلية والإسلام، وأن رجال اليمن كانوا يعصبون رؤوسهم فيها بعصائب صفراء، بينما كان يعصبها رجال مضر بعصائب حمراء، فشبه لوني الزهور بلوني عصائب الفريقين ليخرج بذلك بصورتين مبتكرتين من نوافر أضداده. وحين يذكر أن مباهج الربيع هذه هي من صنع الخالق المبدع لا ينسى أن يسجل صورتين متضادتين لخضرة النبت ... في الربيع، ثم اصفراره وقت نضجه وحصاده، وليبني على هذا التحول قدرة الله ولطفه بعباده (1)
ويعلق د. سيد نوفل بقوله (( فالطبيعة تستهويه كل الاستهواء، وتستولي على فؤاده بأزهارها ورياحينها وغيثها وبرقها، ولا يكفيه الإعجاب بألوانها الزاهية، وإنما يتأمل ويفكر ويخرج من تأمله، وتفكره بالنظريات والإحكام الشعرية وقد خرج على التقليد العربي حين وصف الزهر والروض والربيع والعشب ) ) (2)
كل ذلك يدل أن عالم الطبيعة يشكل مادة غنية للقول والإبداع فيأخذ بأيدي ... الشعراء ليتغنوا بمباهجه ومفاتنه وألوانه وأوصافه وبه ينفسون عما ترك ... في أعماقهم من نزعات الفن ودفقات الإحساس بالجمال الطبيعي الساحر (3)
(1) ينظر الطبيعة في مقدمات أبي تمام: 54 - 58.
(2) شعر الطبيعة في الأدب العربي: 168 - 169.
(3) ينظر فن الوصف تطوره في الشعر العراقي الحديث: 65.