فهرس الكتاب
أما البحتري فيعرض لنا المدح ضمن وصف ذي (( صياغة سلسة تجري مجرى الماء رقة وعذوبة يعبر بها عن معناه في وضوح لا يقدر عليه غيره ) ) (1) وذلك في قوله مادحًا الحسن بن وهب (2) :
وإذا دجت أقلامه ثم أنتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه
حكم فسائحها خلال بناته ... متدفق، وقليبها في قلبه
كالروض مؤتلفًا: يحمره نوره ... وبياض زهرته، وخضرة عشبه (3)
فإذا تذوق العالم الجليل أبو العباس حلاوة هذا الشعر نجده يقول: (( لو سمح الأوائل هذا الشعر ما فضلوا عليه شعرًا ) ) (4)
وهذه الأبيات السلسة الرقيقة المشتملة على الزينات الخفيفة تبهج الخاطر ولا تثقل على النفس، لأن البحتري وشاها بلمساته الفنية التي عرف بها إذ يقول إن هذا الكاتب تتدفق الحكمة من بين أنامله نابعة من قلبه أسلات قلمه فهي كالروضة ... الملتفة بالنور الأحمر، والزهر الأبيض، والعشب الأخضر. ويعلق د. مصطفى الشكعة عليها: (( إن هذه الأبيات التي قالها البحتري في الحسن بن وهب لا تصدر إلا عن شاعر يجل العلم ويكرم الثقافة ويحترم أصحاب الأقلام، وقد كان شاعرنا صاحب ذوق وقلم، وله في علم التأليف والتصنيف وافر، يدل على أن البحتري لم يكن مجرد شاعر وحسب إنما عالمًا ناقدًا أديبًا ) ) (5)
(1) دراسات في الأدب العربي-العصر العباسي: د. محمد زغلول السلام-مطبعة التقدم الأسكندرية.
(2) هو الحسن بن وهب بن سعيد عمر بن حصين الكاتب وكان يذكرانه ولد الحارث بن كعب وهو معروف بالكتابة، فآباؤه وأجداده كلهم كتبة في الدولتين الأموية والعباسية ولد سنة ست وثمانين ومائة ... ينظر ترجمته قوات الوفيات والذيل عليها- 1/ 367 طبع 1973.
(3) ديوان البحتري: 1/ 165. انتحى: جد، أي أن أقلامه إذا غمست بالمداد ثم جدت في الأمد أنادت ظلم ... المشاكل وكشفتها.
(4) تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي ت (463 هـ) ، المكتبة السلفية-المدينة المنورة-13/ 478. أبو العباس احمد بن ثوابه من كبار الكتاب صاحب ديوان الرسائل.
(5) الشعر والشعراء في العصر العباسي: 704 - 705.