فهرس الكتاب
فقد أخذ أعز الناس عنده، وغدت الوحشة لا تبارحه ولكنه يسلي نفسه بالدعاء لهم بالسقيا فإذا ما نزل"الحيا"تفتحت الأزهار والرياحين عند قبورهم لتظل زاهية كما كانت صفاتهم، وهي صورة حية نابعة عن صدق المشاعر حركت فينا الإحساس والانفعال إذ لم يعمد إلى ذكر صفاتهم وأعمالهم، أو مكانتهم إنما وصف حالة بعد فراقهم، وإن نيران فراقهم تحرق فؤاده حتى غدا الحزن لا يبارحه ولا يملك سوى أن يتوجه إلى الله سائلًا المغفرة لهم وقد أتسم رثاءه بظهور (( الآلام والنكبات ويمتزج ما فيها من حزن بحكم الحياة الاجتماعية وعبرها ومواعظها وبروح الشكوى والأنين
وبعاطفة الوفاء البعيد الذي يشيع في نفس الشاعر ووجدانه )) (1)
وأجاد أبو تمام في الرثاء بقوله في رثاء محمد بن حميد (2)
محمد بن حميد أخلقت رممه ... هريق ماء المعالي مذ هريق دمه
رايته بنجاد السيف محتبيًا ... كالبدر حين جلب عن وجهه ظلمه
في روضة قد علا حافاتها زهر ... علمت عند انتباهي أنها نعمة
فقلت والدمع من حزن ومن فرح ... يجري وقد ملئ الخدين منسجمه
ألم تمت يا شقيق الجود من زمن ... فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه (3)
حيث يعمل فكره على خلق الجو الحزين المتلائم مع طبيعة الكارثة ... وظروف المأساة، ثم يلقى بثقله على بحار العاني فيصيد نفائسها، ويسقلها، ويطرزها ويقدمها لجمهرة الناس أحسن ما تكون صوغًا وأجمل ما تكتسي ثوبًا.
(1) ابن المعتز وتراثه في الأدب والنقد والبيان: د. محمد عبد المنعم خفاجي-ط2 - دار العهد الجديد للطباعة. ... 1985 - 170.
(2) محمد بن حميد لم يذكر صاحب معجم الشعراء شيئًا عنهم سوى أنه قائد طوسي وأولاده أبو نهشل محمد بن حميد، وأبو نصر (محمد بن حميد) ينظر معجم الشعراء: للمرزباني أبي عبيد الله بن عمران بن موسى ت (384 هـ) -تحـ عبد الستار أحمد فراج-دار أحياء الكتب العربية-عيسى البابي الحلبي وشركاؤه. ... 1379 - 1960 - 368.
(3) شرح الصولي لديوان أبي تمام: 3/ 354 - الرمم: تستعمل في العظام البالية والحبال المخلقة، أصل الشقيق: الذي يشاق الإنسان في النسب، كأب كل واحد منهما أخذ شقًا أي جانبًا ونصفًا.