الصفحة 80 من 155

ولأبي تمام عدة مرات في محمد بن حميد، ولكل واحدة منها نظامها ومعانيها وبنائها، وفي مقطوعة هذه التي لا تتجاوز الستة أبيات يبكي عليه بكاءً عاطفًا ويذكر رؤيا رآه فيها محتبيًا بنجاد السيف كالبدر يشق الظلام متوسطًا نعمًا كثيرة كان قد أغدقها كأنها الروضة التي حولها الزهر وهي دليل على خير المقام والجزاء لصفاته المحمودة التي يتصف بها (1) وهو في رثائه يمزج عاطفته بالخيال وبالعقل فتجده في شعره فيلسوفًا أو حكيمًا من خلال أسلوبه ومعناه الرصين الذي أضفى مرثاة شعرية ذات وقع غريب (2)

وسعر موت البناء وذوي الرحم قلوب الشعراء فبكوهم بدموع غزار وأنوا أنينًا حارًا من قلوب جريحه كونها نار الفراق الملتهبة كقول أبن الرومي راثيًا أبنه بعد أن يبدأ قصيدته مخاطبًا عينيه أن تجود بالدموع على ولده الذي طواه اللحد إثر خروجه من المهد، فأضحى بعيدًا في مرآه قريبًا في مثواه:

بكاؤها يشفي وإن كان لا يجدي ... فجودا فقد أودى نظيركما عندي

ألح عليه النزف حتى أحاله ... إلى صفرة الجادى عن حمرة الورد

أريحانة العينين والأنف والحشا ... إلا ليت شعري هل تغيرت عن عهدي

وظل على الأيدي تساقط نفسه ... ويذوي كما يذوي القضيب من الرند (3)

نلاحظ العاطفة الصادقة، إذ نجد فيها حشاشة قلب الأب تذوب لوعة وأسى مع ذلك النزف الذي أحال الصبي من حمرة الورد إلى صفرة الجادى وقد قيل في رثاء الولد (( صدع في الفؤاد لا يجبر ) ) (4) يتبين ذلك من الفعل (( ألح ) )الذي أردف بـ (( حتى ) )وهما لفظان يجسدان مشهد احتضار الطفل الذي تواتر نزفه دون إمهال لحظة واحدة، وفضيلة هذا البيت تكمن في ألفاظه، كالفعل ألح والحروف"إلى، حتى، عن"حيث أ، الحروف قامت في براعة حبكها بإيجاز المعنى فاستوى المشهد الطويل بقليل ... من الألفاظ، أعتمد الشاعرعلى"الرثاء الوصفي"إذ عني برسم ملامح ولده فيما كان يتنازعه الموت (5)

(1) ينظر أبحاث في الأدب العربي: سلام عبد المحسن عاطف-دار المعارف 1986 - 105.

(2) ينظر-الرثاء في الشعر العربي أو جراحات القلوب: د. محمود حسن أبو ناجي-ط1 - دار مكتبة الحياة-بيروت، لبنان- (1401هـ، 1981م) -172.

(3) ديوان أبن الرومي: 2/ 624 - 625/ يجدي: يفيد، أودى: هلك، الجادي: صفرة الزعفران.

(4) رثاء الأبناء في الشعر العربي حتى نهاية الشعر الأموي: د. محمد إبراهيم حور-مكتبة المكتبة- ... أبو ظبي-العين- (1401، 1981) -12.

(5) ينظر أبن الرومي ونفسيته من خلال شعره: ط 1959 - 209 وينظر 219.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت