الصفحة 81 من 155

وقول الشاعر كشاجم ذاكرًا حال النسوة وقد لبسن ثياب المأتم السود:

بيض لبسن حدادهن لمأتم ... فلبسن منه الليل فوق نهار

ولطمن منهن الخدود تأسيًا ... وسكبن دمعًا كاللجين الجاري

فكأنما تلك الخدود بنفسج ... وكأنما تلك البنان مداري (1)

(( حيث أن شعور المرأة الأنثوي المنسجم مع طبيعتها وخصائصها من ضعف وعاطفة مشبوبة تتجسد في العجز عن مواجهه الأحداث فتسلمها إلى البكاء واللطم الذي تجد فيه مخرجًا لكل ما تعانيه ) ) (2)

فقد وصف الشاعر حال النسوة وقد لبسن ثياب المأتم السود على أجسادهن البيضاء واستعار لفظة"الليل"لسواد ثيابهن و"النهار"لبياض أجسادهن، وبين كيف لطمن خدودهن تأسيًا وسكبن دموعهن التي شبهها بالفضة الجارية على خدودهن التي شبهها بالورد، لكن اللطم والضرب عليها بالبنان أحالها إلى لون البنفسج بدلًا من ذلك اللون الوردي، وهنا نلاحظ توظيفًا جميلًا لزهرة البنفسج في تشبيهها بالخدود الملطومة وهو قريب من قوله:

ما زال يخمش خده ببنانه ... حتى تنقب ورده ببنفسج (3)

وهو تشبيه جميل يتناسب مع موقف"الرثاء الوصفي"إذ وصف حال النسوة. أما لغة الشعر فجاءت منسجمة مع الموقف حيث دارت حول ألفاظ وتعابير ووسائل تمثلت بـ"لطمن، والدمع، تأسيًا"وهي ألفاظ يتطلبها المقام.

وتأثر الشاعر كشاجم بأبيات أبي نواس المشهورة واضح وهي قوله:

يا قمرًا أبرزه مأتم ... يندب شجوًا بين أتراب

يبكي فيذري الدر من نرجس ... ويلطم الورد بعناب (4)

(1) ديوان كشاجم: 233.

(2) رثاء الأبناء في الشعر العربي حتى نهاية العصر الأموي: 60.

(3) ديوان كشاجم: 96.

(4) ديوان أبي نؤاس: 242.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت