بل حتى الأنظمة الوضعية ذات الدساتير الجامدة التي تتقيد بالدستور، هي الأخرى - عند التأمل - غير مقيدة، لأنَّ الدستور ذاته قانون وضعي قابل للتعديل والإلغاء والتغيير بالطريقة المنصوص عليها فيه، ليكون ملائمًا ما يجد من تطورات وتغيرات في المجتمع، لافتقاده صفة السمو التي تضمن المرونة في إطار ثابت [1] ؛ بل إن الأمر في غاية الفوضى وعدم الانضباط في الأنظمة التي تخول المجلس الأعلى فيها التحللَ من القانون متى شاءت [2] .
وهذا الانفلات في مجال تقرير السياسات، جعل وظيفة (سلطة إعداد الدستور) التأسيسية والمشتقة، تشمل وضع الدساتير إنشاءً، وإلغاءً، وتعديلًا.
وهنا يتجلى الفارق العميق بين مجال تقرير السياسة الشرعية، ومجال تقرير السياسات الوضعية؛ إذ مجال تقرير السياسة الشرعية يقتصر على كشف الأحكام السياسية الشرعية وبيانها؛ أما مجال تقرير السياسات الوضعية، فيتعدى مجال الكشف والبيان، ويتجاوزه إلى مجال (التشريع) أي إنشاء الأحكام ابتداء [3]
(1) ينظر: ما سبق في خصائص الشريعة؛ والسلطات الثلاث في الدساتير العربية وفي الفكر السياسي الإسلامي. د سليمان الطماوي: 309 - 310.
(2) ينظر: مبدأ المشروعية في النظام الإسلامي والأنظمة القانونية المعاصرة، د. عبد الجليل محمد علي: 332.
(3) وفي هذا يقول الشيخ عبد الوهاب خلاف - رحمه الله:"تطلق كلمة (التشريع) ويراد بها أحد معنيين: أحدهما: إيجاد شرع مبتدأ. وثانيهما: بيان حكم تقتضيه شريعة قائمة."
فالتشريع بالمعنى الأول في الإسلام ليس إلا لله، فهو سبحانه ابتدأ شرعًا بما أنزله في قرآنه، وما أقر عليه رسوله وما نصبه من دلائله، وبهذا المعنى لا تشريع إلا لله. وأما التشريع بالمعنى الثاني: وهو بيان حكم تقتضيه شريعة قائمة، فهذا هو الذي تولاه بعد رسول الله خلفاؤه من علماء صحابته ثم خلفاؤهم من فقهاء التابعين وتابعيهم من الأئمة المجتهدين، فهؤلاء لم يشرعوا أحكامًا مبتدأة، وإنما استمدوا الأحكام من القواعد العامة. السلطات الثلاث في الإسلام: 81، ط2 - 1405. دار القلم: الكويت.