ومن هنا كان تعبير كل من المجتهد الشرعي، والخبير القانوني، دالًا على هذه الحقيقة، فإنَّ المجتهد الشرعي يعبر بـ (ثبت) وما في معناها، أمَّا الخبير القانوني وشراح القوانين فيعبِّرون بـ (استقر) بعد (كان) ؛ وهذا لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب شروح القوانين.
وهنا يسعدني أن أُذكِّر بأنَّ تراثنا الفقهي المتعلق ببيان دلالات نصوص الشريعة من كتاب وسنّة، يبقى تراثا حيًّا فاعلًا، على مرّ العصور، بل إنَّ تلك الشروح تكون أقوى سبكا وأدق فهما كلّما كان صاحبها إمامًا من أئمة الشريعة المتقدمين؛ بخلاف شروح الدساتير الوضعية والنصوص القانونية الوضعية، فإنَّها بمجرد أن تلغى تلك القوانين التي تم شرحها أو تغيّر، تتحول تلقائيا إلى ما يعرف بـ (تاريخ القانون) ، لتخرج من دائرة القانون ذاته. ولست بحاجة إلى التذكير بقيمة تفسير ابن جرير أو شروح صحيح البخاري أو كتاب المغني - على سبيل المثال - منذ وجدت وإلى اليوم بل والغد!
وهكذا يتجلى المثل القرآني العظيم، الذي يوجه السؤال التقريري لكل ذي عقل مستنير؛ ليوازن بين من يمشي مكبًا على وجهه تائها، ومن يمشي سويًا مهتديًا: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22)
وبهذا تم الحديث في بيان الفرق بين السياسة الشرعية والسياسات الوضعية، وبه أختم الحديث في سلسلة: مقالات أضواء السياسة الشرعية، التي شجعني على طرحها الإخوة في موقع المسلم جزاهم الله خيرا. ولله الحمد والمنة، والله تعالى أعلم.