الصفحة 22 من 37

ففي الأحاديث السابقة ما أكدناه عن حالة الجيش النبوي وضعف تمويله، وفيه أنهم استحبوا للإمام أن يُطيب خاطر الناس ولو بالكلمة الطيبة حتى يُعطوا ما بأيديهم عن طيب نفس في أوقات الشدة، أو يعدهم بثمنه حال اليسر، وإلا فله أن يجبرهم على ذلك إذا كانت ضرورة كما سبق في كلام المهلب رحمه الله، وخاصة أن حديث جابر والحديثين السابقين ليس فيهما إلا الأمر بالفعل ولا أثر للكلام عن الثمن. هذا وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفعل في الحضر والسفر فقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين:"إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلّ طعام عيالهم في المدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية، فهم مني وأنا منهم".

مما سبق يتضح جرم من دنت نفسه وخبثت طبيعته فعمد إلى مال الله وأخذ منه وعنده فضلُ زادٍ خاص به في وقت حاجةٍ ألمَّت بإخوانه وأُسَرهم وخاصة الأسرى و الشهداء، فلا هو جادَ بماله واقتسمه مع أهل العوز من إخوانه ولا ترك لهم ما يسد رمقهم فاحتال لذلك بكل حيلة، كل ذلك تحت تأثير ضعف اليقين، وأنه يريد أن يترك رزقًا لعياله من بعده ولا يتعرضون لمآسٍ وجدها عند غيرهم، ألا تعست النفس الدنيئة! فعن ابن عمر رضي الله عنه قال:"خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل بعض حيطان الأنصار فجعل يلتقط من التمر ويأكل فقال لي:"يا ابن عمر مالك لا تأكل؟"قلت:"يا رسول الله لا أشتهيه"، قال:"لكني أشتهيه وهذه صُبحُ رابعةٍ لم أذق طعامًا ولم أجده ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك كسرى وقيصر، فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبؤون رزق سنتهم و يضعف اليقين"."

الوقفة الثالثة: عن سبب الغزوة -وإن جاء الكلام متأخرًا عمدًا- وهي في قوله رضي الله عنه"نتلقَّى عيرًا لقريشٍ"، والعير: هي الأبل التي تحمل الطعام وغيرها، قال صلى الله عليه وسلم:"أُعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرتُ بالرعب مسيرة شهر، وجُعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصلي، وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي"، قال السعدي رحمه الله:"وذلك لكرامته على ربه وكرامة أمته وفضلهم وكمال إخلاصهم فأحلها لهم ولم ينقص من أجر جهادهم شيئًا". اهـ

والمتتبع لسرايا النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته قبل بدر يتعجب أن جميع السرايا والغزوات قبل بدر كانت لطلب العير، فالغنيمة من أموال الكفار هي أشرف الكسب على الإطلاق وأطيبها، وقد جعلها الله مصدر قوت نبينا وآل بيته، فقال صلى الله عليه وسلم:"بُعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يُعبد الله وحده لا شريك له"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت