قليلة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن قتال الدفع:"فهذا وأمثاله قتال دفع لا طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال، ووقعةُ أُحُدٍ من هذا الباب". اهـ
فالعدو جاء يريد أن يستأصل أهل الإسلام في ديارهم، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالخروج لقتالهم، قال ابن القيم في زاد المعاد:"فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجمعة وعظ الناس وذكّرهم، وأمرهم بالجد والجهاد فخرج أهل المدينة من المسلمين للنزال شيوخًا وشبابًا، فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم من كان مفيدًا للمعركة ومطيقًا لها أو بلغ خمسة عشر سنة من الصبيان، ورَدَّ جماعة آخرين كما ثبت في الصحيحين، ونَفَرَ الكهولُ من الرجال، فهذا خيثمة أبو سعد قد استشهد ابنه سعدٌ في بدر يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم:"قد كبرت سني ورقّ عظمي وأحببت لقاء ربي فادعوا الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة سعدٍ في الجنة"، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتل بأُحُد شهيدًا."
أي أن كل جيش الدولة النبوية يوم أحد، و بعد ثلاث سنين من إعلانها، كان سبعمائة مقاتل على أحسن تقدير لما سبق ذكره، ويؤكده ما ثبت في الصحيحين عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس"، وعند مسلم:"احصوا لي كم يلفظ بالإسلام"، قال:"فكتبنا له ألفًا وخمسمائة رجل"، وفي رواية:"فوجدناهم خمسمائة"، ومع أن مدار الحديث كما قال الحافظ في الفتح على الأعمش، لكن اختلف أصحابه عليه في العدد.
و قد ذهب العلماء في تفسير هذا الاختلاف والجمع بين الروايات مذاهب عدة، فبعضهم جعل العدد الأكبر لكل من أسلم من الرجال والنساء والصبيان والعدد الأقل هم المقاتلة فحسب، وآخرون ذهبوا إلى أن العدد الأقل هم مقاتلة المدينة والباقي من حولهم من مقاتلة القرى والبوادي، ولكي نؤكد أن كل جيش الدولة النبوية كان في أُحد: متى كان هذا الإحصاء؟ يذهب الحافظ في الفتح أنه كان يوم أحد قال:"وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه ولعله كان عند خروجهم إلى أحد وغيرها"، ثم رأيت في شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق، وحكى الداودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية، ونرجح بأن ذلك كان بعد أحد لا قبلها لقول الحافظ:"وكأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه"، وهذا بالضبط ما أعنيه.
فقد تعرضت الدولة النبوية لهزة عنيفة بردة هذا العدد الكبير من الناس، وهل أعظم من كارثة النفاق خطرًا؟ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقف على حقيقة الرجال المقاتلين ويعرف عددهم بالضبط