الصفحة 31 من 37

دون المنافقين، فإنه في حالة حرب مستمرة وله مع أعدائه موعد للنزال، ويؤكد ذلك ما رواه مسلم وأحمد وابن ماجه والترمذي أن عدد من أحصوه ما بين الستمائة إلى سبعمائة وهو نفس العدد الذي ثبت معه صلى الله عليه وسلم بأُحد أي سبعمائة، ويقوي ذلك أن راوي الحديث هو حذيفة رضي الله عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين والله تعالى أعلم، ويتضح مما سبق كم كان عدد جيش الدولة النبوية بعد ثلاث سنين من إعلانها.

والسؤال الهام الآن والذي كان لأجله هذا الاستطراد المطول، هل هذا العدد هو الحد الأدنى الذي يمكن أن تقام به دولة إسلامية؟ وما مقدار السيطرة والنفوذ؟ هل هي مضبوطة مقيدة أم أنها نسبية؟ و لمعرفة طبيعة سيطرة الجيش الإسلامي على الأرض لابد أن نجلي شيئًا من صورة الواقع بعد أُحد، وهو كالتالي:

سبعمائة مقاتل من المسلمين أثخنتهم الجراح وفي وضع نفسي حرج قال الله تعالى: (فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ) أي حزنًا بعد حزن، يقابله ثلاثمائة منافق على أقل تقدير في كامل عدتهم متلبسين بالمجتمع المسلم ومطلعين على كل عوراتهم، وكتل يهودية في غاية التنظيم الإداري والإعداد العسكري تربطهم مع المسلمين معاهدات هم أسرع الناس إلى نقضها متى وجدوا الفرصة سانحة وقد كان، مع علاقة قوية مع منافقي العرب في الباطن، كما أن هناك طائفة أقل خطرًا هم من تبقى من أهل المدينة ولم يسلم، وكانوا ما زالوا كثر إذا وضعنا في الاعتبار عدد من خرج في جيش الفتح بالمقارنة بأُحد وبهم من صناديد العرب المقاتلين.

ففي الصحيح عن البراء رضي الله عنه قال: أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم -أي يوم أحد- رجلٌ مقنع بالحديد فقال:"يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟"قال:"أسلم ثم قاتِل"، فأسلم ثم قاتَل فقُتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عمل قليلًا وأُجِر كثيرًا"، وفي رواية ابن إسحق:"والله إن هذا الأصيرم ما جاء به لقد تركناه وهو منكر لهذا الأمر".

فسيطرة الجيش النبوي على الأرض نعم هي قوية وموجودة بفضل تماسك المسلمين وقوة عقيدتهم ووحدة صفهم، ولكن يكدرها وبقوة الشيء الكثير -كما أسلفنا عن المجموعات الثلاث الموجودة معهم- هذا باعتبار المحيط القريب ومن هم معهم بالمدينة، أما إذا قورنت هذه القوة بمحيطها الأكبر المتربص بها من قريش وباقي كفار العرب فضلًا عن الفرس والروم فيكون الأمر حينئذ أشد صعوبة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت