فأصحاب المذهب الأول يقولون:
إننا في مجتمع إسلامي ويجب علينا أن نبين له الأحكام الشرعية كما أمرنا الله تعالى وكذلك واجب علينا أن نجتهد في الأمور والقضايا الجديدة ونبين حكم الشرع فيها، ولا يجوز لنا السكوت عن ذلك وإلا كنا عصاة وأعطينا لأعدائنا ذريعة كي يقولوا بأن الإسلام لا يصلح للواقع المعاصر لعدم وجود أحكام مفصلة فيه حول هذه القضايا المستجدة
وأما أصحاب فكر المحنة (فقه المحنة) (الفكر الجهادي) فيرون أن الفقه الإسلامي هو وليد المجتمع الإسلامي الذي تهيمن عليه شريعة الله تعالى ويتحاكم إليها، يقولون:
إن هذه المجتمعات الإسلامية لا تتحاكم إلى الإسلام، بل تتحاكم إلى شرائع الجاهلية التي فرضت عليها بالقوة، ومن ثم فإن هذه القضايا المستجدة ليست وليدة المجتمع الإسلامي أصلا كما كانت في بداية الإسلام، وإنما هي وليدة تلك المجتمعات التي تخلت عن منهج الله تعالى، ومن ثم فإن تشريع الأحكام لها إنما هو تبرير للجاهلية التي نعيشها وإقرار منا بأنها من الإسلام، وفي هذا خطر كبير على عقيدة المسلم وعلى وجوده، كما أنه إقرار بوجود هؤلاء الطغاة الذين يحكمون بلاد المسلمين بالحديد والنار ويوالون أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم
قال تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (22) سورة المجادلة
ومن هنا رد عليهم أصحاب القول الثاني بأن تقنين الفقه الإسلامي اليوم لن يرد المسلمين إلى الإسلام، ولن يحل المشكلة، فيجب إعادة الخلافة الإسلامية من جديد وعندما يولد المجتمع الإسلامي المتمخض عن الإسلام نشرع له من الأحكام ما يحتاج إليه، بعيدا عن تشريعات الجاهلية المفروضة على هذه الأمة اليوم، ولا يمكن أن ينشأ الفقه الإسلامي الحي إلا في وسط المجتمع الإسلامي الحي والذي تهيمن عليه شريعة الله تعالى بكل جنباته
وأكثر من أصل هذا الموضوع الخطير الشهيد سيد قطب رحمه الله في كتابه النفيس في ظلال القرآن فقد تعرض له بشكل مسهب ورد على أصحاب المذهب الأول
ومن ثم فقد هاجم أصحاب المذهب الأول وعلى رأسهم الدكتور القرضاوي سيد قطب رحمه الله وسفهوا رأيه على حد زعمهم دون أن يدققوا في مرمى كلامه وأبعاده العميقة لأنه كان ينظر إلى هذه القضايا من منظار غير منظار أصحاب فقه العافية وفقه المكاتب
وخلاصة القول في هذا الأمر الجلل ما يلي: