فهرس الكتاب

الصفحة 1979 من 11953

وَالثَّانِي: فإنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ: عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا, إِلَّى أَنَّهُ قَدْ فَوَّضَ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى، فَإِنْ عَصَمَهُ مِنَ الْجَلاَءِ عَنِ الْوَطَنِ, فَذَلِكَ فَضْلُهُ، وَإِنَّ خلاَهُمْ وَمَا يَهُمُّونَ بِهِ مِنْ إِخْرَاجِهِمْ فالْجَلاَءِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مُفَارَقَةِ الدِّينِ، وَهَذَا مِنَ الشُّحِّ بِالدِّينِ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْجَلاَءَ عَنِ الْوَطَنِ قرينةِ الْقَتْلِ، وَالثَّالِثُ؛ أَنَّ شُعَيْبًا صَلى الله عَلَيه وَسَلم فزع إِلَى اللهِ وَاسْتَنْصَرَهُ, وَدَعَاهُ كَمَا يُدْعَى فِي الشَّدَائِدِ إِذَا عَرَضَتْ, وَالْخُطِوبِ إِذَا نَزَلَتْ, فَقَالَ: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ} اسْتِعْظَامًا لِمَا كَانَ يُخَاطِبُ بِهِ، وَتَأَمِيلًا أَنْ يَدْفَعَ اللهُ عَنْهُ أَذِيَّةَ الْكُفَّارِ, فَلاَ يُسْمِعُوهُ فِي دِينِهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ سَمَاعُهُ، وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الشُّحِّ بِالدِّينِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللهَ تَعَالَى إِنِّما يقتص عَلَيْنَا هَذَا وَمِثْلَهُ لِنَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الَّذِين يَصِفُ لَنَا سِيَرَهُمْ ثُمَّ يَمْدحهَا، وَنُبَايِنُ مَذَاهِبِ الَّذِينَ يَصِفُ لَنَا طَرَائِقَهُمْ، ثُمَّ يذمهَا وَنَتْبَعُ الأَحْسَنَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ, دُونَ الأَقْبَحِ مِنْهمَا، كما قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} الآيَةَ، فَصَحَّ أَنَّ الشُّحَّ بِالدِّينِ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ, لاَ يَجِدُ حَلاَوَةَ الدِّينِ مَنْ لاَ يَجِدُ الشُّحَّ بِهِ فِي قَلْبِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا هُوَ الأَمْرُ الَّذِي يَشْهَدُ الْعَقْلُ بِصِحَّتِهِ؛ لأَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ دِينًا، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِي نِهَايَةِ الشُّحِّ بِهِ، وَالإِشْفَاقِ عَلَيْهِ, كَانَ ذَلِكَ دَلاَلَةً عَلَى أَنَّهُ لاَ يَعْرِفُ قَدْرَهُ، وَلاَ يتبَين مَوْضِعَ الْحَظِّ لِنَفْسِهِ فِيهِ، وَمَنْ كَانَ الْحَقُّ عِنْدَهُ حَقِيرًا لَمْ يَسْكُنِ الْحَقُّ قَلْبَهُ، وَبِاللهِ الْعِصْمَةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت