ولا شك أن عقول هذه الطائفة التي صقلتها الفلسفة والمنطق اللذان أكبوا على درسهما ، وتعمقوا في مباحثهما ، كانت مهيأة للخوض في المسائل البلاغية ودروس البيان ، وتنظيم القول فيهما تنظيما دقيقا ، وربما كانت طبيعة المهمة التي اضطلع بها المعتزلة في الدفاع عن الإسلام ، ومناظرة أعدائه من أصحاب الملل والعقائد الأخرى ، تدفعهم دفعا إلى العناية بمسائل البلاغة والبيان ، وإتقان البحث فيهما ، فقد كانت البلاغة وسيلة من وسائل الإقناع ، وسلاحا مهما في المناظرة والجدل (1) .
ومن هنا اجتهد المعتزلة في الإحاطة باللغة وآدابها ليتخيروا التعبير المناسب للفكرة ، وليتفهموا النصوص ويغوصوا إلى أسرارها ، ( ولأنهم كانوا يعدون أنفسهم للإنتصار في المناظرات الدائرة بينهم وبين أهل الكتاب من جهة ، وبينهم وبين مخالفيهم من المسلمين من جهة أخرى ، ولهذا كثر في المعتزلة البلغاء والأدباء واللغويون والفلاسفة . ) (2)
ولما كانت الدراسات البلاغية قد نشأت في أجواء من الصراع الفكري والجدل الكلامي ، فإن هذا قد جعل الدراسات التطبيقية تنضج جنبا إلى جنب مع الجانب التنظيري فيها .
(1) . انظر: المصدر نفسه: 196
(2) . الحوفي ، الزمخشري: 200