وتبدأ هذه النظرية مع الجاحظ الذي أعلن في أكثر من موضع من مصنفاته أن ما يدل على تميز القرآن وإعجازه هو نظمه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد ، وقد وضع في ذلك الجاحظ كتابا مستقلا سماه"نظم القرءان"، ولكن الكتاب مفقود ، مما حرمنا من معرفة السبيل التي سلكها الجاحظ في تفسير هذا النظم ودراسته ، ولكن الإشارات القليلة المبثوثة بين ثنايا كتب الجاحظ الأخرى دلتنا على أن فكرة النظم عند الجاحظ هي ـ فيما يبدو ـ فكرة لفظية ، تعتمد على حسن الصوغ ، وكمال التركيب ، ودقة التأليف ، ( وهي من حيث اللفظة المفردة مراعاة بعض شروط الفصاحة ، كحسن الإنتقاء ، ودقة الاختيار ، بحيث تكون خفيفة على اللسان في النطق ، سهلة المخرج ، رشيقة الوقع في الأذن ، بما يكون بين حروفها من تلاؤم وانسجام ، وأن تكون سهلة مؤنسة بعيدة عن الغرابة والحوشية والتعقيد ، وأن تكون غير ساقطة ولا عامية ، وهي لفظة ملائمة للمعنى ، مشاكلة للغرض ، الذي وردت فيه ، تطبيقا لقاعدة مراعاة مقتضى الحال ، والإيفاء بحق المقام . وهي بعد ذلك ـ من حيث التركيب والتأليف في سياق الكلام ـ تعتمد على مراعاة التجانس والانسجام بين الألفاظ المفردة ، حينما تسلك