ليكن أحدب نوتردام بطلًا لعمل أدبي. هذا النوع من التوازي بين حركة السياسة وحركة الأدب بين البحث عن معنى الوطنية هنا والوطنية هناك هو الذي جعل أدباء إنجلترا وشعراءها الكبار في حركة والرومانتيكية يسعون للقتال تحت صفوف الثورة الفرنسية لاعتقادهم أن هذا يؤسس هذا وذلك يقوي ذلك. ويعرف تاريخ الآداب أن كلمة أدبية راسخة قد تهز قيمة سياسية ظالمة أو تقض مضاجع حاكم مستبد، وبونابرت لم يصنع في حملاته - بالرغم من انتصاراته - شيئًا أقوى من مصادرته لكتاب صدر عن سيدة أديبة هي مدام دستايل، وكان يحمل عنوانًا عن ألمانيا؛ لأنها جسدت فيه الفرق بين فكرة الحكم العسكري الديكتاتوري الذي يريد لشعب ما أن يكون ذا رأي واحد وأن يكمم أصوات المعارضة بحجة بناء التقدم كما كان الحال في فرنسا أيام نابليون وبين شعب يبني نفسه من خلال تعدد الآراء واختلاف الرأي كما كان الشأن في ألمانيا في نفس العصر. بونابرت الذي يغزو الممالك لم يستطع أن يتحمل صدور كتاب أدبي يؤسس لمعنى في الوطنية كان يختلف عن نظرته تلك. نحن إذًا في أدبنا العربي أيضًا - وقد أشار أستاذنا الدكتور محمود مكي إلى جوانب كثيرة من فكرة ارتباط الوطنية بالأدب في عصور تاريخية قديمة - لم تخرج عن تلك السنن وخاصة عندما نشأ معنى الوطنية الحديثة في القرن التاسع عشر، وعندما بدأ الوعي عندنا يتشكل تجاه وطننا وتجاه أرضنا وتجاه جنسنا وتجاه القيم الرئيسة التي تجعل الحياة على هذه الأرض حياة مستقرة وهانئة، بدأ ذلك يتجسد من خلال الأدب والنص الأدبي، ولم يكن رفاعة وهو ينقل روائع الأدب الفرنسي وروائع الفكر ويتعمد أن يترجم النشيد الوطني الفرنسي إلا محاولًا أن يزرع قيم الوطنية على طريقة زراعة الأعضاء من خلال اقتباس نصوص يزرعها في الجسد لكي تنبت نصوصًا وطنية مماثلة، ولم يكن من الغريب أن يكون مجدي صالح وغيره من تلاميذ رفاعة شعراء الأناشيد الوطنية الذين يقدمون النماذج الأولى في ذلك