الصفحة 147 من 571

وهذا التشويش على الجهاد والمزايدة على المجاهدين ليس بخُلق جديد من أخلاق أعداء هذا الدين بل هو قديم قد مارسته قريش من قبل مع النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين مرارًا؛ وحاولوا استغلال بعض الحوادث والأهداف التي تخيرها المجاهدون في أوقات معينة ليشنّعوا بها عليهم، كما حصل في قصة قتل ابن الحضرمي الذي قتلته سرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وغنموا ماله وأسروا معه رجلين في أول رجب الشهر الحرام ظانين أنه الآخر من جمادى، فشنعت قريش بذلك على المسلمين وعيّرتهم بأنهم قتلوا واستحلوا الدماء والأموال وأسروا الرجال في الشهر الحرام .. فأنزل الله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) ، فبيّن الله تعالى أن القتال في الشهر الحرام وكذا في البلد الحرام محرم وكبير، وذلك أمر لا ينكره المسلمون ولا يستحلونه، وليسوا بحاجة إلى أن يدلهم عليه أحد من المشركين الكفار ولا يضرهم تعييرهم به، لأن ما ارتكبه ولا يزال يرتكبه المشركون من كفر بالله وصد عن سبيله وإخراج للمؤمنين من البلد الحرام وتعذيبهم لفتنتهم عن دينهم أكبر من مجرد القتال في الشهر الحرام أو البلد الحرام، فلم يتضرر المسلمون بذلك التشنيع والتعيير لأنهم فقهوا أن المشركين أولى بالتعيير وأحق به لما ارتكبوه من جرائم وطوام كبيرة ولا يزالون قائمين ومصرين عليها (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وفي ذلك توجيه للمجاهدين أن لا يتضرّروا بشغب أعداء جهادهم وتعييرهم لهم أو بتنظيرهم وتشنيعهم حول أهداف جهادهم وتوقيت عملياتهم .. وذلك لأن كفر أعداء الدين وصدّهم عن سبيل الله وفتنتهم للمؤمنين أعظم من كل جناية قد يُعيّر بها المجاهدون فهم إذا ما صدرت منهم عن اجتهاد خاطئ فليسوا بحاجة لفقه المشركين وتنظيرهم لأنهم ليسوا بأحرص من المؤمنين على الحلال والحرام .. وهذا كقول أبي فراس ..

وما من أعجب الأشياء علج ... يعرّفني الحلال من الحرام

فحذار أيها المجاهدون أن تضعفوا أمام إرجافات أعداء الدين وحذار من أن يتضرر جهادكم بتشنيع أذنابهم ..

فإن قالوا لكم: قد قتل في قتالكم في موقع كذا وكذا أطفال وصبيان والنبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل الصبيان ..

فقولوا لهم: نعم، قد نهى عليه الصلاة والسلام عن ذلك ونحن أعلم بذلك وأحرص على أمره ونهيه منكم، ونعوذ بالله من أن نتقصدهم، ولو فعلنا ذلك تبنا إلى الله أما أنتم فقائمون مصرون على الكفر والحرام، ولذا فلسنا بحاجة إلى فقهكم وتنظيركم .. وقد رفع الله عنا الحرج في تبييت الكفار إن حصل فيه شيء من ذلك، وكيف يحق لكم أن تظهروا بمظهر الحريص على الأطفال، وأنتم أول من يتّم أطفال الموحدين وأعدم آباءهم واستحل قتلهم لجهادهم وتوحيدهم وبراءتهم من شرككم واستحل قتلهم بالكفار بدعوى الحرابة؛ وأنتم أول من حارب دين الله وأولياءه أما هم فلم يحاربوا إلا أعداءه وإن قتل في جهادهم بعض الصبيان فأنتم قد وأدتم جمهور أبناء المسلمين وقتلتم الدين والحمية والتوحيد في قلوبهم بمناهج مدارسكم الفاسدة التي تنشؤهم على الولاء لكم ولأوليائكم، ولا زلتم تسعون في فتنتهم عن دينهم وجهادهم (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) ومن أصدق من الله حديثا .. ؟.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت