الصفحة 172 من 571

كتابٌ يهدي .. قوام الدين بكتاب يهدي وبسيف ينصر

بقلم الإمام: أبي محمد المقدسي

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه وكان آخذا السيف بإحدى يديه والمصحف بيده الأخرى: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا من عدل عن هذا) ..

مفسرًا بذلك قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله، وحقوق خلقه) فتاوى شيخ الإسلام (28/ 263) .

وإن من أحق حقوق الله تعالى التي بعث بها الرسل كافة وأنزلت من أجلها كتب الله جميعها؛ أن يقوم الناس بتحقيق التوحيد؛ الذي هو إخلاص العبودية لله في كافة مناحي حياتهم؛ فدعوة الرسل كافة وكتب الله التي أنزلت عليهم كلها من أولها إلى آخرها تَنْصَبُّ وتتكلم في هذا الحق العظيم .. إذ محتواها:

إما دعوة لتحقيق هذا الحق والقيام به أو أمر بالدعوة إليه والصبر عليه أوحضّ على الجهاد من أجل تحقيقه والموالاة والمعاداة فيه.

وإما خبر عن جزاء من حققه وقام به ونصره وجاهد في سبيله وما أعده الله لهم من الثواب العظيم والنعيم المقيم.

وإما دعوة إلى البراءة مما يناقضه من الشرك والتنديد ودعوة لجهاده وجهاد أهله والسعي في هدمه واستئصاله بكافة أشكاله من الأرض.

وإما خبر عن مصير المعرضين عن تحقيق هذا الحق والمحاربين له ولأوليائه وما آل إليه مصيرهم من الخزي والندامة، وما أعده الله لهم من العقاب الوخيم والعذاب المقيم.

فكتب الله كلها ورسالات أنبيائه جميعها من أولها إلى آخرها تتلخص في هذا الحق وتتمحور فيه ..

فهو الغاية العظمى والهدف الأسمى الذي خلق من أجله الخلق وبعث له الرسل وأنزلت من أجله الكتب.

ثم قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ) .

فمن أعرض عن هذا الحق ولم يقم به بالقسط ورده في وجوه الرسل والدعاة؛ قُوِّم بالسيف عليه ..

وهذا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم) رواه الإمام أحمد عن ابن عمر.

(فمن عدل عن الكتاب قُوّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف) الفتاوى (28/ 264) .

فينبغي على الدعاة الصادقين في كل زمان أن يجعلوا هذا الحق محور دعواتهم، ومنطلق خطابهم وتصوراتهم، ومرتكز موازينهم؛ في ميادينه يصولون ويجولون، وحوله يدندنون، ومن أجله يُبتلون ويسجنون، وتحت رايته يُقاتلون ويُقتلون.

وعليهم أن يسعوا دوما لإقامته على ضوء الكتاب والسنة بالحجج والبينات، فمن قام كائنا من كان في وجهه ورفضه؛ قُوّم بالحديد، فإن عزّ عليهم الحديد في وقت من الأوقات ولم تطوله أيديهم؛ لم يحلّ لهم أن يلغوه من حساباتهم أو يهملوه، بل يدورون مع الكتاب حيث دار ويسعون جادين في الإعداد لإقامته بالحديد ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت