الصفحة 173 من 571

فكل من يعرف حقيقة هذا الدين - حتى أعداؤه - يعرفون أنه توحيد وجهاد، دعوة وقتال، مصحف وحديد، ويعلمون جيدًا - ما داموا يرفضون الاستقامة عليه والقيام به بالقسط -أنه يرفضهم وسيستأصل باطلهم طال الزمان أم قصر، فهم يعرفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما بعث لذبحهم وذبح أمثالهم، وقد واجه بذلك أقرب الناس؛ عشيرته وقومه حين رفضوا القيام بهذا الحق بالقسط، فأنبأهم بغايته قبل أن يقدر عليها بسنين؛ فقال: "تسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفس محمد بيده، لقد جئتكم بالذبح". ثم قام بذلك أحق القيام لما أعز الله الإسلام وأهله بالحديد.

ونحن إن شاء الله على إثره ماضون وعلى منهاجه سائرون وبسنته قائمون ومعه مقاتلون (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إنّ (كون النبي قاتل معه أو قُتل معه ربيون كثير لا يستلزم أن يكون النبي معهم في الغزاة، بل كل من اتبع النبي وقاتل على دينه، فقد قاتل معه، وهذا الذي فهمه الصحابة، فإن أعظم قتالهم كان بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، حتى فتحوا البلاد شامًا ومصرًا وعراقًا ويمنًا وعجمًا ورومًا ومغربًا ومشرقًا، وحينئذ ظهر كثرة من قُتل معه، فإن الذين قاتلوا وأصيبوا وهم على دين الأنبياء كثيرون، ويكون في هذه الآية عبرة لكل المؤمنين إلى يوم القيامة، فإنهم كلهم يقاتلون مع النبي صلى الله عليه وسلم وعلى دينه، وإن كان قد مات. وهم داخلون في قوله:(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ) ، وفي قوله: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ) ، فليس من شرط من يكون مع المطاع أن يكون مشاهدا للمطاع ناظرًا إليه) أهـ. مجموع الفتاوى.

فنحن نصرّح لأعدائنا علانية بغايتنا؛ ونعلمهم بأننا إن كنا عنها اليوم عاجزين فلا يعني ذلك أننا ألغيناها من حساباتنا، كلا فذلك لا يحل لنا بحال، ولا نملكه أصلا، ولذلك فنحن نجأر إلى الله في الليل والنهار وندعوه في الغداة والعشي أن يمكننا من رقابهم ورقاب كل أعداء هذا الدين؛ وكل حركاتنا وسكناتنا وأنفاسنا إعداد لذلك وإرصاد.

وهم يعرفون ذلك جيدًا؛ ويعرفون كذلك انحراف وسقوط من يحاول من دعاة الإنهزام ويسعى عبثا لتجريد الكتاب من الحديد؛ ويعرفون جهله بحقيقة هذا الدين، وأنه قد انحرف عن أوامر الله الشرعية وسننه الكونية؛ ولم يفهم دين الإسلام.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

(ودين الإسلام: أن يكون السيف تابعا للكتاب؛ فإذا ظهر العلم بالكتاب والسنة وكان السيف تابعا لذلك كان أمر الإسلام قائما.) الفتاوى (20/ 393) .

وقال: (فقوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر "وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا") أهـ.

في ظلال آية

قال الشهيد سيد قطب رحمه الله في تفسير قوله تعالى: (وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) .

وهنا نشهد ذلك المشهد الباهر مشهد تجلي حقيقة الألوهية في نفس ولي اللّه ونبيه إنه يعرف مصدر القوة وملجأ الأمان ويعلم أن ربه هو الذي يفصل بالحق بين الإيمان والطغيان ويتوكل على ربه وحده في خوض المعركة المفروضة عليه وعلى المؤمنين معه والتي ليس منها مفر إلا بفتح من ربه ونصر عندئذ يتوجه الملأ الكفار من قومه إلى المؤمنين به يخوفونهم ويهددونهم ليفتنوهم عن دينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت