كتابٌ يهدي .. العبرة بالحقائق والمعاني لا بالأسماء والمباني
بقلم الإمام: أبي محمد المقدسي
يقول الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ) .
كثير من الناس يغتر بالعناوين البراقة وتصغى أفئدتهم إلى اللافتات الكبيرة والمزخرفة التي ترفعها الدول والأنظمة، والسطحيون السذج يغترون كذلك بالأسماء والأوصاف التي تتصف أو تتسمى بها كثير من الطوائف والفرق والجماعات؛ ويرضون تلك الجماعات دون أن ينظروا في حقيقتها وحقيقة مسمياتها وأوصافها .. وهو الشيء الذي يغرر بهم ويلبس عليهم أمرهم وربما أوقع كثيرًا منهم في انحرافات في المنهاج وتخبط بين سبيل المؤمنين وسبيل المجرمين.
ولذلك احترف كثير من شياطين الجن والإنس حرفة زخرفة الأسماء وامتهنوا مهنة تضخيم اللافتات وتلميعها وتسميتها بغير أسمائها الحقيقية لحرف أتباعهم عن جادة الحق والصواب ولصرفهم عن المنهاج.
وخدعة تسمية الأشياء بغير أسمائها الحقيقية سنة إبليسية وطريقة شيطانية؛ إذ أن أول من زخرف الأسماء وتلاعب بها ليموه الحقائق ويخادع البشر هو إبليس فهو صاحب هذه السنة والطريقة حين سمى شجرة الطرد والحرمان بشجرة الخلد وملك لا يبلى؛ ليغرر بأبينا آدم عليه السلام .. وتابعه على هذه الطريقة وانتهجها أهل النفاق وأعداء الشرع.
فقد ذكر الله عز وجل أن أهل النفاق يمارسون هذه اللعبة الخبيثة أيضًا منذ القدم وأنهم (إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) فهنا سموا الفساد إصلاحا ..
وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا) .
وهنا سموا تحاكمهم إلى الطاغوت إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا!!.
وهو دأب كل الطواغيت ومن نَهَجَ نهجهم؛ يجعلون كفرهم وإلحادهم إيمانًا وإحسانًا، ويصفون زيغهم وإفسادهم بالإصلاح والرشاد، ويسمون إرهابهم وإذلالهم لعباد الله بالأمن وخدمة الشعب!! وفي المقابل ينعتون جهاد الموحدين ودعوتهم بالتخريب والإخلال بالأمن والإرهاب!!.
وقديمًا قال فرعون عن موسى ودعوته: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) .
وكذلك زخرفوا الربا وسموه بمسميات عصرية كالفوائد والعوائد ليسوّغوه .. وكذا سموا الخمر المشروبات الروحية ..
وفي الحديث الصحيح: (يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها) .