الصفحة 24 من 571

كتابٌ يهدي .. وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة

بقلم: الشيخ عبد الله الرشيد

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين،

أما بعد:

فقد أمر الله عباده المؤمنين بأن يعدوا لعدوه ما يستطيعون فقال عز وجل: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) .

وقد أمر الله في الآية بنوعين من الإعداد: إعداد القوة، وإعداد رباط الخيل، والذي يظهر في معنى الآية أنَّه أراد بالقوة السلاح وآلة الحرب وعدته ورأسه الرمي، كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر: "ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي"، وأراد برباط الخيل ما يدخل في معناها من المركب؛ فخصَّ الله الخيل من بين المراكب بلفظ الآية، وخص النبي صلى الله عليه وسلم الرمي من بين القوة في تفسيرها.

ورجّح إمام المفسرين ابن جرير الطبري في معنى الآخرين الَّذين من دونهم أنَّهم الجنّ، واستند إلى أنَّ القوم الآخرين غيرهم: إمَّا يعلمهم المسلمون كبني قريظة، وإمَّا لا يُعلمون لاستتارهم كالمنافقين ولكنّهم ليسوا مرادين بالآية بقرينةِ أنَّ المنافقين لا يخشون السلاح والإعداد وكثرته ولا يرهبونه، وإنَّما يخشون أن يُطَّلَع على سرائرهم لأنّهم في الظاهر من المسلمين والإعداد ليس لهم أصلًا.

والإعدادُ فرضٌ على المسلمين، وينقسمُ قسمين:

إعداد عامٌّ للأمة، يدخل فيه بناء الحصون، وبثّ العيون، وتوفير السلاح للمسلمين، وإعداد ما يدخل في اسم (السلاح الثقيل) ، وكلُّ ما يرهب العدوَّ ويُحتاج إليه في الحرب مما ليس بمقدور الواحد من الناس أن يعدَّه، وهذا النوع فرضُ كفايةٍ على المسلمين، لدخوله في عموم الأمر في الآيةِ، وحصول الكفاية إذا قام به بعضُ المسلمين، والمخاطب به ابتداءً وليُّ أمر المسلمين لأنه هو الناظر في مصالحهم، فإن لم يكُن لهم حاكمٌ كما هو الحال اليوم، فعلى طائفةٍ من المسلمين أن تعدّ منه ما استطاعت، فإن لم يقم بذلك أحدٌ أثمَ كلُّ مستطيعٍ لم يفعَل.

وإعداد خاصٌّ للرجل في خاصة نفسه، بمعرفة حمل السلاح، وتعلم فنون الحرب التي لا غنى للمقاتل عنها، وهذا النوع في حالِ ضعف المسلمين وما نحن فيه اليوم، فرضُ عينٍ على كل مسلمٍ لا تبرأ ذمَّتُهُ إلاَّ به، لعموم الأمر في الآيةِ، ودخوله في الاستطاعة، ولأنَّ الجهاد متعيّن، وإن لم يتعيّن فتعيّنه محتمل في كل وقت: إما بعدوٍّ يدهم المسلمين، وإمَّا بإعلان الإمام النفير، وما لا يتم الواجب إلا به واجبٌ.

وأما في أحوالِ قوَّةِ الأُمَّةِ وامتناعِها من عدوِّها، فإعداد ما يُرهب العدوَّ، وإعداد الرجل لنفسه فرضُ كفايةٍ، ولا دليل على التعيُّنِ، أما ما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من علم الرمي ثم تركه فليس منا، أو قال فقد عصى" فهو كالتشديد في نسيان القرآن بعد تعلمه [1] ، المرادُ به النقص الحاصل بعد الكمال، والحور الكائن بعد الكور، بقرينة الرواية الأخرى للحديث: "فهي نعمةٌ كَفَرَها".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت