الصفحة 251 من 571

كتاب يهدي .. وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ

بقلم الإمام: أبي محمد المقدسي

قال الله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِينَ) .

وقال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) .

يبين الله تبارك وتعالى في هذه الآيات المحكمات أن الفساد المترتب على المدافعة والضرر المتوقع من الجهاد؛ لا شيء - وإن عظّمه الناس وكرهوا الجهاد من أجله - في مقابل ما ينتج عن ترك الجهاد من فساد؛ ولذا أهمل سبحانه ولم يذكر ما يترتب على المدافعة والجهاد من مفاسد قد يضخمها كثير من السذّج السطحيين؛ وذلك لأنها لا تذكر بالمقارنة مع تلك المفاسد العظيمة المترتبة على ترك الجهاد ..

فالله ذو فضل على العالمين بما شرعه للمسلمين من فريضة جهاد الكفار ودفع فسادهم وإفسادهم وشركهم، وبما قدّره من علو توحيده وغلبة المؤمنين الذين تصلح بهم الأرض، ولو بعد حين ..

وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من آثار ترك مدافعة الكفار وإهمال جهادهم ومن عقوبات الله على ذلك؛ أن يسلط الله على الأمة ذلًا لا ينزعه عنها حتى ترجع إلى دينها ..

"فالباطل - كما يقول سيد قطب رحمه الله - متبجحٌ لا يكف ولا يقف عن العدوان إلا أن يُدفع بمثل القوة التي يصول بها ويجول، ولا يكفي الحق أنه الحق ليوقف عدوان الباطل عليه؛ بل لا بد من قوة تحميه وتدفع عنه؛ وهي قاعدة كلية لا تتبدل ما دام الإنسان هو الإنسان".

وقد عدد الله في الآيات أعظم المفاسد المترتبة على ترك الجهاد فذكر فيها؛ فساد المعمورة ومن عليها، ولا شك أن أعظم فساد في الأرض؛ الإشراك بالله بصوره المتنوعة؛ سواء بإعلان التنديد له بدعوى أنه ثالث ثلاثة أو بنسبة الصاحبة والولد إليه كما يفعل اليهود والنصارى، أو بما نشاهده اليوم من تنحية شرع الله وتسلط طواغيت الأرض بشرائعهم الشركية على رقاب العباد ومنحهم لسلطة التشريع المطلقة لأنفسهم ولشركائهم المتفرقين .. فما هذا وذاك إلا شيء من الفساد العظيم والمتشعب الذي ترتب على ترك الجهاد ومدافعة الكفار ..

ومن ذلك أيضا هدم المساجد التي يذكر فيها اسم الله كثيرًا ..

ولا شك أن عمران بنيانها اليوم في ديار الكفر بل والمبالغة في البذخ فيه وفي زخرفته في الوقت الذي تمسخ فيه رسالتها بطمس معالم العقيدة والتوحيد عن منابرها ورفع أسماء أئمة الكفر والأنداد المتفرقين عليها؛ وكل ذلك من آثار ترك المسلمين للجهاد؛ لا شك أن ذلك أعظم من هدم المساجد حقيقة وقتل الأنفس وسفك الدماء إذ (الفتنةُ أكبرُ مِنَ القتلْ) أي فتنة المسلم عن دينه وتوحيده وإيمانه ورده إلى الإشراك بالله؛ أعظم من القتل وسفك الدماء مهما عظم وكثر وضخمه الناس ..

فلو اقتتلت المعمورة جميعها حتى تفني بعضها بعضًا؛ لكان هذا أهون عند الله من الإشراك به، وأهون من رد المسلم عن دينه وفتنته عن عقيدته وتوحيده بتسلط أهل الكفر عليه وفرضهم لشرائعهم وأنظمتهم ومللهم الكافرة على الخلق؛ والذي هو ثمرة من ثمرات إهمال المسلمين لفريضة جهادهم ودفعهم وذبحهم ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت