هكذا كان شأن المهندس يحيى عياش الذي يعتبر بحق مهندس العمليات الاستشهادية في فلسطين المحتلة، فقد شكّل الشهيد رحمه الله انعطافًا نوعيًا في أداء عناصر كتائب القسام المجاهدة، فنوعية العمليات التي ابتكرها وأتقنها لم تُعرف من قبل داخل الكيان الصهيوني سواءً فيما يخص السيارات المفخخة أو الحقائب والأجساد المتفجرة، إذ يعود السبق فيها كلها إلى يحيى عياش الذي عرف كيف يستغل خلفيته في العلوم الفيزيائية على أحسن وجه، وقد زاد من إغاظة الصهاينة الحس الأمني الحاد للمهندس وقدرته بالتالي على الهرب والتخفي رغم كونه المطلوب رقم واحد بالنسبة لسلطات الاحتلال الصهيوني بتقدمها المذهل وقدراتها على الملاحقة والاختراقات والوصول لكل الأهداف، وهكذا استمر المهندس يصول ويجول ضد الصهاينة طيلة ثلاث سنين في ظل أقسى الظروف خطورة وفي ظل متابعة رهيبة ساهم فيها آلاف من عناصر الأمن وأفراد الشاباك ووحدات الاستخبارات الخاصة ووحدات النخبة من الجيش الصهيوني وقوات حرس الحدود والشرطة الصهيونية التي لم يعد لها شغلٌ شاغل سوى المشاركة في المطاردة الواسعة للمطلوب رقم واحد، كل هذا جعل من يحيى عياش أسطورة، ورغم استشهاده رحمه الله بعدما غدر به أحد أقاربه وسلم هاتفه النقال للمخابرات الصهيونية التي فخخته لم ينته كابوس الصهاينة المرعب طالما أن التقنية التي وضعها المهندس والإرادة الاستشهادية موجودة وهي الآثار التي مازلنا نعيش على إيقاعاتها المدوية إلى اليوم.
ولئن اختلف الباكستاني رمزي يوسف (اسمه الحركي) واسمه الحقيقي (عبد الباسط كريم) مع المهندس عياش في أنه كان يعمل غالبًا لوحده بينما المهندس كان يعمل لتنظيم قوي هو كتائب عز الدين القسام فإنهما يشتركان في عدة صفات؛ فرمزي يوسف كذلك قوي الشخصية وعملي وله كذلك خلفية أكاديمية في علوم الكيمياء لكن من معهد بريطاني، الشيء الذي أهله لدوره الجهادي فيما بعد.
كان التحاق رمزي يوسف بمخيمات تدريب المجاهدين في أفغانستان في أواخر الثمانينيات مَعْلَمًَا فاصلًا في حياته إذ عرف جيدًا أي وجهة سيأخذ مستقبله، ونظرًا لجعبته الأكاديمية استطاع رمزي يوسف أن يتقدم الصفوف ويصير بدوره مدربًا في المعسكرات وكان مع ذلك يقتنص الفرص لإكمال دراسته في معهده البريطاني، وبعد سقوط كابل وما تبعه من فتن ساهمت أمريكا في إشعالها بشكل وفير قرر رمزي الذهاب إلى رأس الكفر أمريكا والقيام بعملية جبارة تخر بها أمريكا على ركبتيها، وبدأ التحضير لعملية تهديم مركز التجارة العالمي، وفي صبيحة يوم 26 فبراير 1993م انفجرت شاحنة مفخخة داخل مركز التجارة العالمي بنيويورك، زعزعت العملية إحدى بنايات مركز التجارة العالمي ذي المائة وعشرة طوابق والتي تعتبر رمز الغنى والقوة لدى أمريكا ودمرت أسطورة سلامة الأمريكيين من الهجمات في بلادهم.