بقلم الشيخ: عامر بن عبد الله العامر
الحمد لله الذي جعل من ديننا مفارقة من لم يكن على ملتنا ليميز الله الخبيث من الطيب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، فهدى به من الضلالة، وفرق به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والمؤمنين والكفار، وأوليائه من أعدائه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا مزيدًا، أما بعد: -
فقد جاءت الشريعة السمحة بالأمر بمجانبة الكفار وعدم مصاحبتهم أو مساكنتهم ومجالستهم وزيارتهم والرضا بأعمالهم، قال تعالى: (وَالَّذينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِير) قال ابن كثير: أي إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وإلا وقعت فتنة في الناس وهو التباس الأمر واختلاط المؤمنين بالكافرين فيقع بين الناس فساد منتشر عريض طويل. ا. هـ
وقال تعالى (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ) قال ابن عباس: لا تركنوا أي لا تميلوا. وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم. قال الثوري: ومن لات لهم دواة أو برى لهم قلمًا أو ناولهم قرطاسًا دخل في هذا. قال بعض المفسرين: النهي متناول الانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهنتهم، والرضا بأعمالهم، والتشبه بهم، و التزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكره بما فيه تعظيم لهم.
واعلم أن مفارقة أهل الكفر وعدم العمل معهم، فيه سلامة دينك ودنياك فمن ذلك:
أولًا: الابتعاد عنهم فيه إغاظة لهم، قال تعالى (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) قال ابن القيم: سمي المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغمًا يراغم به عدو الله وعدوه والله يحب من وليه مراغمة عدوه، وإغاظته. إهـ وهذا تحريض وترغيب في مفارقة المشركين حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه.
ثانيًا: اعتزالهم سبب نزول الرحمة، قال تعالى عن الفتية: (وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا) قال ابن كثير رحمه الله: أي وإذ فارقتموهم وخالفتموهم بأديانكم في عبادتهم غير الله ففارقوهم أيضًا بأبدانكم.
ثالثًا: هي من ملة إبراهيم عليه السلام التي أُمرنا باتباعها، قال تعالى: (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّ) .