الصفحة 376 من 571

بقلم الشيخ: أبي محمد المقدسي

يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا) فأمر سبحانه بأخذ الحذر قبل الأمر بالنفير ..

وقال تعالى: (وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) فالأخذ بأسباب الحيطة والحذر وكذا الكتمان في العمل الجهادي أمر مشروع في ديننا بل واجب في كثير من الأحيان، وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعانة بأسباب الكتمان في أشياء وحوائج دون العمل العسكري والجهادي فقال: (استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان) ..

بل إنه صلى الله عليه وسلم تعدى في هديه موضوع الكتمان إلى التمويه على الأعداء ومخادعتهم، فلم يكن الحذر موقوفًا عنده على كتمان الإسرار؛ بل كان يحرص على تشتيت رقابة الأعداء وتضليل عيونهم وجواسيسهم، ففي حديث كعب بن مالك في الصحيح (4418) في قصة تخلفه في غزوة تبوك قال: (ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها .. ) .

وكان من مبالغته وحرصه على إنجاح غزواته ومهام أصحابه بالكتمان أن يبعث السرية في جهة معينة دون أن يعلمهم عن هدفهم، بل يكتب لهم كتابًا يذكر فيه الهدف المقصود، ويأمرهم أن لا يفتحوا الكتاب حتى يقطعوا أغلب سفرهم ويقتربوا من غايتهم، كما فعل صلى الله عليه وسلم مع سرية عبد الله بن جحش التي قُتل فيها ابن الحضرمي .. وفي ذلك ما فيه من كتمان الأسرار العسكرية وعدم إظهارها حتى للجند أنفسهم إلا قبيل التنفيذ مباشرة، حتى لو أن بعضهم ضعف أو سقط أسيرًا في أيدي الأعداء لم يكن عنده ما يقوله أو يفشيه ولو قطعوه أو مزقوه.

ومن هذا الباب انه صلى الله عليه وسلم لما أزمع على الهجرة: جاء إلى أبي بكر في ساعة غير التي اعتاد أن يأتيه فيها، وجاءه متقنّعًا، وأمره أن يُخرج من عنده قبل أن يسر إليه بقرار الهجرة رغم أنهم كما قال أبو بكر (إنما هم أهلك) ، وكان عبد الله بن أبي بكر يبيت معهما في غار جبل ثور ويدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائتٍ فلا يسمع أمرًا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام.

انظر ذلك كله في حديث الهجرة عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها في صحيح البخاري (3905) .. وفيه أيضا قوله صلى الله عليه وسلم لسراقة لما أدركهم في الهجرة (أخفِي عنّا) .

وفي صحيح البخاري باب (الحربُ خَدْعَةٌ) وذكر فيه الحديث، قال الحافظ ابن حجر: (وأصل الخدع إظهار أمر وإضمار خلافه، وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب والندب إلى خداع الكفار، وإن لم يتيقظ لذلك لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه) اهـ.

وفي البخاري أيضًا: (باب الكذب في الحرب) وذكر فيه قصة قتل الصحابة لكعب بن الأشرف طاغوت اليهود وما فيها من مخادعته وإيهامه أنهم يتثاقلون ويُعانون مما يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة، إلى أن استمكنوا منه وقتلوه .. وذكر الحافظ في شرحه في الفتح حديث الترمذي في جواز الكذب في ثلاث؛ منها الحرب، وقصة الحجاج بن علاط في استئذانه النبي صلى الله علبيه وسلم أن يقول عنه ما شاء لمصلحته في استخلاص ماله من أهل مكة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت