الصفحة 377 من 571

وروى البخاري أيضًا قصة إسلام أبي ذر (3861) وفيها من العبر في هذا الباب ما يدل على أن الصحابة كانوا يحرصون على أسباب الحيطة والحذر والكتمان ولا يُفرّطون في شيء من ذلك، ففيها تردّد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثلاثة أيام على أبي ذر دون أن يفاتحه بشيء حتى اطمئن إليه وسمع خبره أولًا وتأكد من حرصه على الإِسلام والوصول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اتفاقه معه على أن يسير خلفه ليوصله إِلى النبي صلى الله عليه وسلم دون أن يُشعر قريشًا بذلك وقوله (إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي) إلى آخر القصة.

وفي القرآن أخبرنا الله تعالى في قصة الفتية أصحاب الكهف حذرهم من قومهم وقولهم عمن سيبعثونه إلى المدينة (وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدًا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذًا أبدًا) .

فهذا كله وغيره كثير، يدل دلالة واضحة على أن الأخذ بأسباب الحيطة والحذر والكتمان والتمويه على الأعداء ومخادعتهم والكذب عليهم لتجنب مكائدهم؛ كل ذلك أمور مشروعة لا حرج على المسلم فيها، ولا يعاب عليها، وأن عدم الاستفادة من ذلك وإهماله وعدم إعماله قد يسلط أعداء الله على الدعاة والمجاهدين، وقد يفشل سعيهم ويحبط جهادهم.

إذا تقرر هذا فاعلم أن الناس مع هذا الأمر بين الإفراط والتفريط فبعضهم بالغ فيه وأفرط حتى أصيب بالشلل التام، وأمسى يخاف من ظله، ويحسب كل صيحة عليه. ومنهم من ترك الدعوة والجهاد على إِثر بعض النكسات التي أصيب بها بسبب تفريطه في هذا الباب وانقلب بعدها إلى الإفراط وصار يتعامل مع أعداء الله وكأنهم - خابوا وخسروا - يعلمون السر وأخفى، واندحر أمام تكنولوجيا العصر وانضبع من إمكاناتها في التنصت والاختراق والتجسس فلا يكاد يستعمل أجهزة الحاسوب أو الهاتف أو غيرها من سبل الاتصال، ولو قدر على استعمال الحمام الزاجل لما استعمل غيره.

مع أن المسألة لا تحتاج أكثر من شيء من الخبرة بهذه الوسائل لتجنب آثارها ومفاسدها مع خبرة أخرى بأساليب التمويه والخداع والتضليل لأعداء الله؛ لينقلب السحر على الساحر، أما أن نعتزل هذه الوسائل ولا نستغلها للدعوة والجهاد بحجة أنها مدخولة مخترقة، أو نبالغ في التخوف والتلمس من ذلك دون داع إليه فذلك هو الاندحار والانكسار أمام بهرج تكنولوجيا أعداء الله وزخرف إمكاناتهم.

ولقد زرت بعض الشباب بعد خروجه من محنة سجن اعترف فيها بعضهم على بعض في التحقيقات، فلم أكد اجلس حتى قام إِلى المذياع فشغّله بصوت مشوّش فقلت له: ما لنا وللمذياع أغلقه حتى نعرف نتكلم، فقال: هذا ضروري للتشويش على أجهزة التنصت إن كانت موجودة! فقلت: البيت بيتك والحديث اجتماعي ودي لا أمني ولا حربي ولا حتى دعوي، ولا أراك مشوّشًا إلا علينا ..

وبعضهم إذا كلمك على الهاتف بالغ في استعمال التمويه والرموز فيما لا داعي له ولا يستحق ذلك، حتى يُصيّر كلامه طلاسم ملفتة ومثيرة، بل ومشكلة عليك فلا تكاد تفهم ما يريد، ولو أن أعداء الله استمعوا إلى طلاسمه لضخّموا شأنها ولظنوا أن وراءها عمليات أضخم من عمليات نيويورك وواشنطن، مع أن الموضوع أقل من عادي وأحيانًا يكون تافهًا لا يستحق الترميز ولا التشفير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت