وأحيانًا كثيرة يكون التصريح بالكلام أولى لأنه لا حرج فيه ولا ضرورة لاستعمال التمويه فيه؛ ومع ذلك يفضل بعض المتنطعين الغموض والتنطع في التمويه؛ كأن يهاتفك أحدهم قائلًا: لك عندي أمانة، أو أريدك اليوم لحاجة ضرورية، وتكون الأمانة علبة من الحلوى أو ثوبًا أو قارورة طيب لا حرج من التصريح بها، وتكون الحاجة الضرورية دعوةٌ على غداء أو عشاء، ولكن أولئك المتنطعين يحبون الإبهام والتمويه السينمائي ولا يعرفون أنه في هذه الحالات يضر ولا ينفع، خصوصًا إذا كانت اتصالاتهم مع المتابَعين أمنيا الذين يحاسبهم أعداء الله على كل كلمة .. وإذا ما اعتقلوا لم يصدقوهم ولو حلفوا لهم الأيمان المغلظة أن الأمانة كانت من الأشياء المذكورة، أو أن الموعد كان غداء أو عشاء، ولم يتركوهم حتى يقتلعوا أظافرهم ويمزقوا جلودهم كي يسلموا الأسلحة والمتفجرات وليقروا ويعترفوا بالموعد العسكري أو التنظيمي الضروري الذي كان وراء تلكم الرموز والتشفيرات ..
والبعض يُقر عند أعداء الله ويعترف باتصالاته التي ربما أضرّت به وبإخوانه دون أدنى ضرب أو تهديد بحجة أنه سمع أو قرأ عن تكنولوجيا حديثة قادرة على التقاط نبرة صوت المطلوب إذا عمّموها عبر الأقمار الصناعية في هواتف العالم!! وكأن اتصالاته تدور حول أسلحة الدمار الشامل!! ومن ثم فقد تحرّج من الكذب عليهم لأن كذبه سينكشف بواسطة تلك التكنولوجيا، ولا أدري أي شيء يضير المسلم إن عرف أعداء الله بكذبه عليهم أو اكتشفوه؟ أوَ ينتظر منهم شهادة حسن سلوك، أم انه يخجل من الكذب على أكذب خلق الله وأخبثهم وأغدرهم، مع أن كذبه إن جرى فلحماية دعوته وجهاده ولدفع الظلم عن نفسه وعن إخوانه، أما كذبهم المتأصّل فهو للكيد بدعوته واستئصال جهاده ولظلمه وظلم إخوانه.
وإذا كانت هذه أمثلة من الآثار السلبية للانبهار إلى حد الاندحار أمام تكنولوجيا العصر وإمكانات أعداء الله، وشيئا من آثار الإفراط والمبالغة في التمويه والتخوف أو الحذر إلى حد الوسوسة لغير ما حاجة وفيما لا طائل من ورائه.
ففي الطرف المقابل قد فرّط البعض في هذا الأمر المهم تفريطًا عظيمًا وأهمله وعطله تعطيلا كليًا فترى أسراره مكتوبة ومذكراته ومواعيده المهمة وخططه وتفاصيل تنظيمه وتمويله وإنفاقه كل ذلك وغيره مبثوثًا على الورق في عصر التكنولوجيا، وبتفصيلاته بصراحة دون تمويه أو تشفير، وإذا جاءته رسالة هامة تحذيرية أو تنظيمية أو أمنية بقيت في جيبه - لا أدري أللذكرى!! - أيامًا وأسابيع، أو مكثت في بيته شهورًا وأحيانًا سنوات دون إتلاف؛ تنتظر أعداء الله لتصير لهم صيدًا ثمينًا في أقرب مداهمة لبيته أو اعتقال قد يفجأه فلا يستطيع بسببها أن يحيد في التحقيق يمينا أو شمالًا، ويصير إهماله سببًا لاعتقال إخوانه وإحباط عملهم أو جهادهم، أو تراه يتعامل مع وسائل الاتصال بثقة عمياء، وإذا حذّره بعض إخوانه أو أوصوه بأخذ الحيطة والحذر أو بكتمان الحديث عن زيارات أو لقاءات، أو بحرق رسالة بعد قراءتها أو بعدم الاحتفاظ بأسماء وعناوين حقيقية وكاملة في أوقات أو أماكن معرضة لتفتيش أعداء الله أو مع أشخاص معرضين للتحقيق والاعتقال؛ استهجن ذلك واستنكره وربما عدّه جبنًا وخوراَ وعارًا .. فلا أدري ماذا سيقول مثل هذا لو رأى بعض إخوانه مستخفيًا في غار صغير ممتلئ بجحور الأفاعي لا يتسع لأكثر من رجلين في حال طلب الكفار له .. ؟! لا جرم أن عيْبَ مثل هذا لا ينجم إلا عن ذهول عن سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وانغماسٍ في حياة الدعة، وبعدٍ عن حياة الجهاد والعمل الجاد لدين الله، وركون إلى الأمن الزائف الذي يعيشه عوام الناس وهَمَلهم ويُروّج له الطواغيت وأنصارهم.