هذا التفريط والتسيب والإهمال أدى بكثير من التجارب إلى فشل ونكسات أحزنت أهل الإسلام وأقرت أعين أعداء الله فضخّموها وجعلوا من فشلها إنجازات وانتصارات لأجهزتهم الأمنية على الإرهاب، والحقيقة أن سبب ذلك الفشل ليس ذكاء أعداء الله ولا حنكة أجهزتهم الأمنية يل تفريط وإهمال أهل تلك التجارب لهذا الجانب.
فكم كنت أحزن وأتألم عندما كنت أرى بعض من لا يقبلون النصح في هذه الأبواب من الشباب الذي لا يتعلمون من تجارب غيرهم ولا يتعظون بنكساتهم فيكررون زلاتهم ويجترون أخطاءهم؛ فإذا هَمّ أحدهم بعمل جهادي واقتنى سلاحًا لم يكتف بإطلاع كل من يلقاه عليه بل أطلعهم على أمانيه وأحلامه وتخطيطاته في العمل الجهادي ثم لا يدري بعدُ من أين تأتيه النكسة وكيف باءت أمانيه وتخطيطاته بالفشل!!
ويحزنني أن يتقن أهل الدنيا من أصحاب التنظيمات الأرضية أصول العمل العسكري وقواعده الأمنية فتراهم إن هموا بعمل لا يخبرون عنه وعن أهدافه ولا يطلعون على عدته وسلاحه إلا المنفذين فقط وقبيل التنفيذ بوقت وجيز لا يسمح بتسرب شيء من أخبار عملهم، ولا يعرف المنفذون أكثر مما يحتاجونه من معلومات لتنفيذ مهمتهم، أما مصادر السلاح وأماكن تخزينه ومن استورده ومن سلمه لهم وهل هناك غيره وهل ثم أهداف أخرى سيقوم بها إخوانهم وغير ذلك؛ فهذا كله من فضول المعرفة وتعتبر أعباءًا أمنية لا يصح أن يُحمّلها من يحترم عمله العسكري لمن لا تعنيه، ولذلك تكون الأخطاء والنكسات في حال فشل مثل هذه الأعمال محصورة محدودة .. بخلاف النكسات القاضية والتي تحرق كل من حولها بتخبط بعض الدروايش الذين يلجون إلى ساحة العمل العسكري بعشوائية وسفه .. مع أن المسلم هو أولى الناس بالإتقان والضبط والحذر والنباهة في هذا الباب فسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم وصحابته حافلة بمعالم وتجارب عظيمة في هذا الباب تقدمت إشارات منها .. والجهاد بحاجة إلى الليوث والصقور لا إلى الدروايش وبغاث الطيور ..
ومن صور التفريط في هذا الباب أيضًا أن بعض الشباب يتعامل مع السلاح بعد أن هداه الله إلى هذه الطريق كما كان يتعامل معه أيام جاهليته بعنجهية العشائرية والقبلية التي قدمنا الكلام عنها في وقفة سابقة؛ فتراه لا يتحرج من إظهار حيازته، وتراه يدور بسيارته ويتجول هنا وهناك ومعه بندقيته الآلية بل وربما بعض القنابل والذخائر باستهتار عجيب، يريها لهذا ويطلعه عليها ذاك، فإذا ما وعظته أو ذكرته ونصحته بأن هذا التسيّب لا يناسب أصحاب هذه الطريق، وأنّ أمسه الجاهلي قد ولى وانقضى، وقد تبدّلت معه وتغيرت نظرة أعداء الله إليه بمجرد ظهور بعض شعيرات في وجهه، أو باقترابه من بعض أهل هذا التيار الجهادي واتصاله بهم؛ استهجن نصحك واستغربه ولم يستوعبه إلا بعد فوات الأوان .. وربما عزاه إلى الجبن والخور، وقال لا داعي للمبالغة فالأمور عادية .. فإذا ما اعتقل وابتلي بسبب تفريطه هذا لم تعد الأمور عنده بعد ذلك عادية ولا حتى (أوتوماتيكية) بل غالبًا ما ينقلب أمثال هذا الصنف بعد البلاء إلى جانب الإفراط الأول فتراه يتلمس من ظله مندحرًا أمام تكنولوجيا العصر منضبعًا من إمكانات أعداء الله الرهيبة واستخباراتهم الفظيعة التي اكتشفت أسلحته وقنابله المكشوفة!!
ويُلمع أعداء الله ويضخم من شان أجهزتهم الأمنية بتبريره وعزوه سقوطه إلى ذكاء أعداء الله وخبثهم وقوة مخابراتهم لا إلى غباءه وتسيّبه وإهماله ..